إنَّ الإعجاز في القرءان لا يقتصر على الآيات التي تتحدث عن خلق السموات والأرض؛ بل أجد القرءان الكريم ملئ بالإعجاز البياني بشكل لا يُمكن تخيله.
ولِمَا لا والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿ قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا (109) ﴾ سورة الكهف.
نحن نقف مبهورين أمام عدد النجوم والمسافات التي بينها ونذكر أرقاما لا يمكن تخيلها فما بالنا بكلام الله؟!
كلام له بيان؛ ألفاظ مُناسبة بدقة بالغة، مواضع مُحكمة.. بيان مع كثرته غير المتناهية لا يُمكن أن يختلف.
هل يمكن أن نحيط بكل كلام الله؟
لا، وهل يمكن أن نحيط حتى بما في جسم الإنسان من آيات مُعجزة؟!
إنما يظهر لكل إنسان ما قدره الله بحكمته.
حكمة الله من القرءان هي أن نتبين ما يجعلنا نُؤمن أنه كلام الله وليس كلام بشر؛ لنستيقن قول الحق: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء.
ذلك هو التحدي الأكبر؛ إنه البيان في القرءان.
من أمثلة بلاغة البيان في القرءان التي تُذهل العقول:
ما نتبينه من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ (77) ﴾ سورة طه.
قد تبدو الآية غير ملفتة للنظر، قد تبدو لدى بعض الناس ليست بيانية أو معجزة..
ولكن، حين نتدبر القرءان ونتأمل آياته تظهر المُعجزات التي لا يُمكن لنا حصرها كلها.
ولكن سألتفت هنا لبيان مُعجز في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾.
ما هو؟
ربما؛ بل حقًا دون أن تتدبر الآية لن تُلاحظ روعة البيان في قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾.
لماذا جاء: ﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾ ولم يأتِ: (فاضرب لهم في البحر طريقًا يبسًا)؟!
هذا السؤال قد يكون بداية تدبر الآية، واستنباط مما فيها من بلاغة البيان..
ولكن قبل تدبر الآية؛ بماذا سيُجيب الناس، هل من فرق بين القولين؟
ربما كثير سيقولون: لا فرق بينهما، كلاهما بمعنى واحد!
ولكن نُذكرهم؛ أنَّ: ﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾ هي كلام الله؛ إذًا حتمًا بينهما فرق..
لأن البيان في القرءان يعني أنه لا يُمكن أن تتبدل مواضع الألفاظ ويكون المعنى واحدًا.
﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾ يُثبت أنه كلام الله وليس كلام بشر؛ ذلك مع أنَّ البعض قد لا يجد مُعجزة بيانية في الآية.
فهناك من المُبطلين من يقولون: إنَّ القرءان كلام عادي، يُمكن أن يأتوا بأفضل منه!
ذلك لأنهم لا يتدبرون القرءان..
﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾ هو الترتيب الصحيح للألفاظ ـ كل لفظ جاء في موضعه بإحكام ـ ومعنى الآية هو: موسى ـ عليه السلام ـ وهو على الساحل (وليس في البحر) سيضرب لهم طريقًا، وسيكون يبسًا لكي يعبروا البحر منه.
هذا هو الترتيب المُحكم للألفاظ: ﴿ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ ﴾ وليس: (في البحر طريقًا).
قد لا يقف الكثير هنا ليتبين تلك المُعجزة البيانية التي تُؤكد للناس أنَّ القرءان هو كلام الله.
ومن دقة البيان في الآية جاء لفظ: (يبسًا) ليدل على أنَّ كلام الله لا يغفل عن أي تفصيل في اكتمال الشئ.
لماذا؟
لأن الطريق كلفظ عام دون تخصيص؛ قد يكون رطبًا لا يستطيعون أن يعبروه رهوًا؛ لذلك ومن دقة البيان في القرءان جاء لفظ: (يبسًا) ليكتمل المعنى ولا يكون في كتاب الله نقص، وسبحان من هذا كلامه.
وماذا عن القول الآخر؟
القول الآخر الذي يظن البعض أنه يُعطى ذات المعنى: (فاضرب لهم في البحر طريقًا يبسًا) نُلاحظ أنَّ لفظ: (في البحر) جاء قبل (طريقًا) وهذا خطأ لأنه يعني: أن سيدنا موسى وهو في البحر؛ أي بعد أن يدخل البحر بالفعل سيضرب لهم الطريق؟!
إذًا قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾ هو القول المُحكم الذي بلغ بيانه الكمال.
ومن روعة البيان:
ما نتبينة في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا (163) وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا (164) ﴾ سورةالنساء.
قد لا يبدو للبعض وجود بلاغة في لفظ: (كما) ذلك لو قالوا: كلاهما بمعنى واحد.
هنا نسألهم: لماذا جاء لفظ: (كما) ولم يأتِ لفظ: (مثل ما)؟!
من روعة البان التي تُثبت أنَّ القرءان ليس للبشر أن يأتوا بمثله ولو أرادوا مجئ لفظ: (كما) وليس : (مثل ما).
لماذا؟
لأن كما تدل على التطابق بين الأشياء بينما تدل مثل ما على التشابه وليس التطابق من كتاب: (المُعجزة البيانية في الألفاظ القرءانية).
الله ـ تعالى ـ لم يقُل: ( إنا أوحينا إليك مثل ما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده..) لأن البيان في القرءان بالغ الإحكام والكمال..
كما نلاحظ الآية ذكرت كل النبيين والرسل، وذكرت سيدنا هارون فلماذا لم تذكر سيدنا موسى معهم، وجاء ذكره منفصلا في الآية التي جاءت بعدها؟!
لأن كما تدل على التطابق، ولأن طريقة الوحي لموسى ـ عليه السلام ـ اختلفت عن طريقة الوحي إلى باقي النبيين والرسل، هنا لفظ: (كما) دل على تطابق طريقة الوحي إلى سيدنا محمد وسيدنا نوح وكل النبيين والرسل وأثبت اختلافها مع سيدنا موسى.
لأن طرقة الوحي إلى موسى ـ عليه السلام ـ كانت مباشرة، وليس عن طريق ملك؛ حيث كلمه الله تكليمًا.
لذلك لم يتم ذكره معهم، وجاء في الآية التي أتت بعدها: ﴿ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا (164) ﴾ لتدل على تكامل البيان في القرءان الذي لا نتبينه إلا بتدبر الآيات.
﴿ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا (163) وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا (164) ﴾.
القرءان لا يتناقض في آياته، فيه كل لفظ يأتي في موضعه بدقة بالغة؛
ذلك من كمال البيان المُعجز في القرءان الكريم.



