﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ (24) ﴾ سورة محمد.
الله ـ تعالى ـ أنزل القرءان لا ليهجره الناس، أو يظنون أنه ليس لهم!
بل أنزله لكل الناس ليتدبروه ويتبينوا آياته.
لماذا؟
ليكون حجة لهم، أو عليهم يوم القيامة؛ فلا يقول أحد من الناس لم نُهيَّئ لفقه الآيات؟!
فمن ظن أنَّ القرءان للمتخصصين فقط فقد خالف قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ (32) ﴾ سورة القمر.
ومن يُقارن القرءان بالعلوم التجريبية كالطب والهندسة فقد أخطأ.
لماذا؟
لأن الطب علم تجريبي قائم على التجربة المادية للأمراض ومكونات الجسم، والطعام، وكذلك الهندسة علم تجريبي يعتمد على التجربة والآلات.
أما القرءان فهو كلام الله، يسره ليُخاطب كل البشر ﴿ وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ (32) ﴾ سورة القمر.
أنزله الله لكل الناس بلسان عربي مبين؛ ليتدبروه فيتذكر الإنسان؛ فيخشع لله رب العالمين.
إنه منهج رباني يُناسب كل الناس في كل العصور، وليس كتابًا قاصرًا على من سبقونا.
بل في العصر الحديث من الناس من يتبين من بلاغة القرءان وإعجازه ما لم يتبينوه في العصور السابقة؛ وهذا سبب بقاء القرءان مُعجزًا إلى أن تقوم الساعة ﴿ فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ (19) ﴾ سورة القيامة.
الله لم يشَأ أن يفسر الرسولُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ القرءان كله، ولكن حكمته أن يظل الناس يتدبروه، ويستنبطوا من مُعجزاته البلاغية والكونية ما يجعلهم يستيقنون أنه كلام الله خالق السموات والأرض ومن فيهن.
فعلى كل إنسان أن يجتهد في تدبر القرءان ليشعر بما فيه من حكمة، وإعجاز لعله يهتدي، فلو كان الكافر غير مُهيَّئ لتدبر القرءان ما حاسبه الله ـ تعالى ـ لكن الله يسَّر القرءان لكل الناس لكي لا يكون لهم حجة يوم القيامة.
إنَّ التدبر أشبه بالتركيز؛ فحين نقرأ القرءان بتدبر لنعي آياته وما بها من حكمة وبلاغة وإعجاز نتعلم الكثير، الأمر الذي يُؤثر بشكل طيب في حياتنا.
للأسف الكثير من الناس هجروا القرءان، ومنهم من ظن أنَّ قراءة الآيات فقط (دون تدبر) هو المُراد، ونسي قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ (29) ﴾ سورة ص.
فعمل بعضهم على ختم قراءة القرءان أكبر عدد من المرات في الشهر الواحد؛ حتى لو قرأه قراءة سريعة خالية من التدبر والتأمل؛ فينهي قراءته وهو لا يعلم شيئًا مما قرأ!
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ (32) ﴾.
لماذا أمرنا الله بأن نقرأ ما تيسر من القرءان؟
لأن الإنسان إذا كان مشغولًا بشئ جاد قد لا يتمكن من القرءاة بتدبر، ولن يتذكر، ولن تتأثر نفسه بما يقرأ لذلك قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ ﴾ من الآية (20) سورة المزمل.
تلك حكمة ربانية لأن الإنسان إذا كان في شُغل لن يستطيع أن يقرأ لأنه سيكون في حالة نفسية لا تسمح له بتدبر الآيات؛ إنه في عجلة من أمره؛ وهذا يحرمه من خير التدبر.
ما تيسر كما قال الحق؛ هو ما يجعل الإنسان هادئًا في قراءته، ولديه القدرة النفسية على تدبر الآيات وتبين حكمة الله فيها، والاستفادة مما قرأ.
وإن تعذر عليه فقه شئ منها؛ يسأل أهل الذكر الذين يتدبرون القرءان، ويدرسون آياته بعمق وتأمل.
إنَّ من يتدبر القرءان ولا ينظر لعدد مرات ختم قراءته؛ يخرج من دائرة من يقرأون القرءان بألسنتهم، ولا حظ لقلوبهم قراءته.
إذا قرأت ما تيسر من القرءان وعملت بأمر الله فتدبرت الآيات لأصبح أثر القرءان أكبر في حياتك.
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء.
لا يُمكن أن نتبين ما في القرءان الكريم من إعجاز دون تدبر آياته.
وسيظل الناس يستنبطون ما هو جديد من الإعجاز القرءاني الذي يأخذ بالألباب ويزيد المؤمنين إيمانا وتصديقًا حين يتدبرون القرءان ولا يقفون عند التفسير القديم فقط.
ذلك مصداقًا لقول الله ـ تعالى ـ : ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ (19) ﴾.



