مِنْ رَوَائِعِ البَيَانِ فِي القُرءَانِ وَالرَّدُ عَلَى الشُّبُهَاتِ.
المؤلف: إبراهيم محمد حامد.
جزء من مقدمة كتاب: (من روائع البيان في القرءان والرد على الشُبهات).
فِي كِتَابِ: (مِنْ رَوَائِعِ البَيَانِ فِي القُرءَانِ وَالرَّدُ عَلَىَ الشُّبُهَاتِ) سَنَسْعَى إِلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ اللهِ مِنْ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي خَلَطَ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ بَيْنَ مَعَانِيهَا، أَوِ الَّتِي طَعَنَ فِيهَا الْمُلْحِدُونَ، وَمَنْ يَنْتَقِدُونَ الْقُرْآنَ؛ إِذْ قَالُوا: إِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا اعْتَادَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي اللهَجَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، مِثْلَ:
الطَّعْنِ فِي قَوْلِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ:
﴿ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ﴾ من الآية (196) سورة البقرة.
حَيْثُ قَالَ الْمُبْطِلُونَ: إِنَّهَا آيَةٌ لَيْسَتْ بَلِيغَةً، وَزَائِدَةٌ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهَا دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى، أَوْ يَتَأَثَّرَ؟!
وَأَقُولُ لَهُمْ مِنْ خِلَالِ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَدِرَاسَةِ الْبَلَاغَةِ فِيهِ، وَاسْتِنْبَاطِ دِلَالَةِ كُلِّ لَفْظٍ، وَبَلَاغَةِ مَوْضِعِهِ فِي الْآيَةِ: بَلْ إِنَّهَا لَآيَةٌ بَالِغَةُ الْإِحْكَامِ وَالْكَمَالِ، لَا يَقْدِرُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا.
وَمَنْ يَنْتَقِدْ تِلْكَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ أَثْبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرِ الْقُرْآنَ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ مَا فِيهِ مِنْ بَلَاغَةٍ مُعْجِزَةٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهَا بِنَظْرَةٍ سَطْحِيَّةٍ.
وَلِمَعْرِفَةِ كَيْفَ نَتَبَيَّنُ مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ بَلَاغَةٍ مُعْجِزَةٍ، تُثِيرُ تَعَجُّبَ الْمُلْحِدِينَ، وَتَزِيدُ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ؛ سَنَطْرَحُ هَذَا السُّؤَالَ:
لِمَاذَا قَالَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: (تِلْكَ عَشَرَةٌ تَامَّةٌ)؟ هَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ؟
نَعَمْ، وَذَلِكَ مَا سَنَتَبَيَّنُهُ ـ بِإِذْنِ اللهِ ـ مِنْ خِلَالِ كِتَابِ: (مِنْ رَوَائِعِ البَيَانِ فِي القُرءَانِ وَالرَّدُ عَلَىَ الشُّبُهَاتِ).
وَنَرُدُّ بِهِ فِي ذَاتِ الْوَقْتِ الشُّبْهَةَ الَّتِي أُثِيرَتْ حَوْلَ قَوْلِ الْحَقِّ:
﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ لِيَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهَا مُعْجِزَةٌ بَلَاغِيَّةٌ تَفُوقُ قُدُرَاتِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، لَا تَتَأَتَّى مَعْرِفَتُهَا بِنَظْرَةٍ سَطْحِيَّةٍ لِآيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
كَذَلِكَ سَنَتَعَرَّفُ عَلَى الدِّقَّةِ الْبَلَاغِيَّةِ فِي قَوْلِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ :
﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴾ [الرَّحْمَنُ: ٢٤]، وَالَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقُرْآنِ بَلَاغَتَهُ الَّتِي تَعْلُو عَلَى بَلَاغَةِ الْبَشَرِ، وَتَسْبِقُ اكْتِشَافَاتِهِمُ الْعِلْمِيَّةَ، وَتُثْبِتُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّهُ كَلَامُ اللهِ، وَلَيْسَ كَلَامَ الْبَشَرِ.
وَمَعَ اسْتِنْبَاطِ الدَّلَالَاتِ الصَّحِيحَةِ لِلْأَلْفَاظِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ يُمْكِنُ لَنَا أَنْ نَسْتَخْدِمَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ فِي تَعْبِيرَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، حَسَبَ دَلَالَاتِهَا الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَمَا الْهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ؟
إِنَّهُ يُيَسِّرُ لَنَا ـ بِإِذْنِ اللهِ ـ أَمْرَيْنِ:
- دِقَّةُ فَهْمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ لِأَنَّنَا نَسْتَخْدِمُ اللَّفْظَ حَسَبَ دَلَالَتِهِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ.
- زِيَادَةُ الدِّقَّةِ التَّعْبِيرِيَّةِ فِي أَحَادِيثِنَا إِذَا تَأَثَّرْنَا بِبَلَاغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
- وَهَذَا بِدَوْرِهِ سَيَجْعَلُ النَّاسَ يَرْتَقُونَ فِي قُدْرَتِهِمْ عَلَى الْوَصْفِ الصَّائِبِ الْقَاطِعِ فِي تَعْبِيرَاتِهِمْ؛ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى دِقَّةِ التَّعْبِيرِ وَإِيجَازِهِ، وَبَلَاغَةِ الْوَصْفِ وَجَمَالِهِ؛ فَيَرْتَقِيَ النَّاسُ فِي تَذَوُّقِهِمْ لِلْأَلْفَاظِ، وَقُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّفَكُّرِ.
ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ فِي الْقُرْآنِ لَهُ دَلَالَةٌ خَاصَّةٌ لَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ، يَتَحَقَّقُ بِهَا الْمُرَادُ بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ، وَتَزُولُ عِنْدَهَا أَيُّ شُبْهَةٍ.
نَعَمْ، التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ لَفْظَيْنِ يَبْدُوَانِ مُتَطَابِقَيْنِ، هُوَ مَا نَتَبَيَّنُهُ مِنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ، وَدِقَّةِ أَلْفَاظِهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا: (مِنْ رَوَائِعِ البَيَانِ فِي القُرءَانِ وَالرَّدُ عَلَىَ الشُّبُهَاتِ) الْفَرْقُ الْبَلِيغُ الْمُعْجِزُ بَيْنَ لَفْظَيْ: (ابْعَثْ، أَرْسِلْ) كَمَا فِي قَوْلِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ:
﴿ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) ﴾ [الشُّعَرَاءُ].
وَقَوْلِهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ:
﴿ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) ﴾ [الْأَعْرَافُ]
لَقَدْ تَعَدَّدَتِ الْآرَاءُ حَوْلَ سَبَبِ اخْتِلَافِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ، وَهُنَاكَ مَنْ طَعَنَ فِي كِتَابِ اللهِ، وَقَالُوا: (قَوْلُ بَشَرٍ)؟!
لَكِنْ سَيَتَبَيَّنُ لَنَا ـ بِإِذْنِ اللهِ ـ مِنْ خِلَالِ الرَّدِّ عَلَى الشُّبُهَاتِ أَنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ مِنْ لَفْظَيْ: (ابْعَثْ، أَرْسِلْ) دلَالَةً خَاصَّةً بِهِ لَيْسَتْ لِلْآخَرِ.
وَأَنَّ هَاتَينِ الدِّلَالَتَيْنِ هُمَا السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ بَعْدَهُمَا.
سيظهرُ لنا من تلكَ الآياتِ الكريمةِ بلاغةُ الوصفِ في القُرآنِ، وكم هو بليغٌ، دقيقٌ، مُعجزٌ، وفي غايةِ الإحكامِ والكمالِ الذي لا نقصَ فيه.
نعم، ففي تلكَ الآياتِ سيقفُ البشرُ عندها مُتعجِّبينَ مما يستنبطونَه من بلاغةِ الوصفِ القُرآنيِّ، الذي لا يُمكنُ أن يخطرَ على قلبِ أكثرِ المؤلِّفينَ موهبةً ودقَّةً في تعبيراتهم!!
ذلكَ أجدُه من بلاغةِ القُرآنِ، ودقَّةِ ألفاظِه، وإحكامِ وتفصيلِ آياتِه.
مِمَّا سبقَ:
لتبيُّنِ بلاغةِ كلِّ لفظٍ في كتابِ الله، لا بُدَّ من أن نُخضعَ اللِّسانَ العربيَّ (وهو الأقلُّ دقَّةً كونه من تنظيمِ البشر) إلى اللِّسانِ العربيِّ المُبينِ الذي نزلَ به القُرآنُ.
لماذا وصفَه اللهُ تعالى بأنَّه: مُبينٌ؟
مُبينٌ: كونه بيِّنًا، أي لا يختلفُ الناسُ حولَه، وذلك لا يحدثُ إلَّا في حالِ كان كلُّ لفظٍ في كتابِ الله له دلالتُه الخاصَّةُ به التي لا تتغيَّرُ في كلِّ الآياتِ.
حينها سيُقرُّونَ بأنَّه الحقُّ من ربِّهم، لا يُماري فيه إلَّا من ظلمَ نفسَه، الذي استيقنَ ما في القُرآنِ من الحقِّ فَضَلَّ عنه بعلمٍ.
مُبينٌ: أي لأنَّه لا تتغيَّرُ فيه دلالاتُ الألفاظِ أبدًا؛ وهذا من تمامِ المعنى، وكمالِ البيانِ، وإحكامِ اللهِ لآياتِه.
إنَّ اختلالَ المعنى الخاصِّ بلفظٍ ما (أُتيَ في كتابِ الله) يحدثُ حين يتمُّ تغييرُ اللفظِ بلفظٍ آخرَ، أو قياسُ معنى اللفظِ وِفقًا للِّسانِ العربيِّ (الأقلِّ دقَّةً) وليس وِفقًا للِّسانِ العربيِّ المُبينِ الذي نزلَ به القُرآنُ،
مِمَّا يُؤدِّي إلى تغييرِ دلالتِه عن المعنى الدقيقِ والمحكمِ الذي جاء في كتابِ الله، وسيُؤدِّي ذلكَ بدورِه إلى اختلالٍ في فقهِ كلامِ اللهِ، ومعرفةِ المرادِ من آياتِه.
الكثيرُ من الشبهاتِ سنَرَاه بإذنِ اللهِ من خلالِ بلاغةِ الآياتِ في القُرآنِ الكريم.
ذلكَ حينَ نستنبطُ دلالةَ كلِّ لفظٍ من خلالِ الآياتِ الكريمةِ، كما هي تلكَ الدلالةُ في القُرآنِ.
ويستيقن الذين ءامنوا أنَّ قول الله ـ عز وجل ـ : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء، لهو الحق من ربهم.



