من الملحدين من يقول: ما فائدة وجود قصص الأمم السابقة في القرءان؟!
أليس القرءان كتابًا للعبادات، وذِكر الله؟!
ونقول لهم: القصص في القرءان ليس للقراءة (دون تدبر) أو للتسلية؛ بل جاء لنأخذ منه العبرة التي تنفع الناس في حياتهم.
ومن أمثلة ذلك؛ ما جاء في سورة ص، عن داوود ـ عليه السلام ـ والخصمين الذين تسوروا المحراب:
لقد أوردها الله ـ عز وجل ـ في كتابه لحكمة؛ وهي ألَّا نحكم على طرف قبل أن نستمع للطرف الآخر.
فماذا حدث بعد أن قص أحد الطرفين شكواه لسيدنا داوود؟
قال داوود ـ عليه السلام ـ : ﴿ قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ (24) ﴾.
كما يتبين لنا: داوود ـ عليه السلام ـ أصدر حُكمه، أو قال رأيه فيما سمع قبل أن يستمع للخصم الآخر وذلك حين قال: ﴿ قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ
إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ ﴾ حيث وصف الخصم الآخر بقوله: ﴿ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ﴾ قبل أن يستمع له ليتبيَّن حُجته.
ولكن سيدنا داوود كان ذا علم؛ فظن أنَّ الله فتنه ـ اختبره ـ ﴿ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ﴾.
لماذا؟
لأنه حكم قبل أن يستمع للطرف الآخر ليرى حُجته؛ فربما كان صاحب حق.
وحين أدرك سيدنا داوود أنه أخطأ استغفر ربه وخر راكعًا وأناب.
هنا تظهر بلاغة القرءان التي جاءت من أجلها القصة:
مُراد الله من الآية أن يتعلم سيدنا داوود في حياته مما حدث، وأن نتعلم نحن: ألَّا نتسرع في حُكمنا على أحد قبل أن نستمع له، ونتبين الحق؛ فربما كان مظلومًا.
لماذا استغفر سيدنا داوود ربه وهو لم يقصد الخطأ؟
حين استغفر ربه كان اعترافًا منه بأنه أخطأ في حق من انتقده دون أن يستمع له، أو يسمع حُجته؛ بل شعر سيدنا داوود بأنه أخطا في حق الله ـ تعالى ـ .
وكيف يكون أخطأ وهو لم يتعمد الخطأ؟
لأن مُخالفة سُنة الله (في حد ذاتها ولو دون علم، أو تعمد) هي: خطأ، ولكن يغفره الله ـ تعالى ـ .
ونتبين ذلك من كتاب الله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ
فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن
لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا (92) وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا (93) ﴾ سورة النساء.
الآيتان ذكرتا حُكم القتل الخطأ، وحُكم القتل المُتعمد.
ولأن داوود ـ عليه السلام ـ شعر بأنه أخطأ (وهو لم يتعمد الخطأ) ولكن علم أنَّ هذا الخطأ (في حد ذاته) مُخالفًا لسُنة الله التي اقتضت ألَّا يحكم على طرف قبل أن يستمع له، ويتيقن من الحق؛ لذلك استغفر داوود ـ عليه السلام ـ ربه.
تلك هي العبرة التي نأخذها من الآيات الكريمة؛ فهي ليست قصص للتسلية، ولكن هي جاءت في القرءان الكريم؛ لتُعلمنا ونأخذ منها العبر، والموعظة التي تنفع الناس في حياتهم.
وهذا شأن كل الآيات التي تقص علينا من أنباء الأمم السابقة..


