من خلال الفوارق اللفظية الدقيقة بين الألفاظ التي تبدو متشابهة في القرءان الكريم؛ يُمكن أن نتبين كيف كان يصوم من جاءوا قبلنا في الأمم السابقة التي اتبعت المرسلين.
قارنا من قبل بين لفظي: (كما، ومثل ما) وتبين لنا أنَّ لفظ: (كما) يدل على التطابق التام بين الأفعال.. أما لفظ: (مثل ما) فيدل على التشابه، وليس التطابق.
ولكي نتبين كيف كان يصوم النبيين ومن آمن بهم قبل أن يُنزل الله ـ تعالى ـ القرءان؛ أذكر الآية الكريمة:
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ (183) ﴾ سورة البقرة.
نلاحظ أنَّ اللفظ الذي جاء ليُقارن بين صيامنا وصيام من جاءوا قبلنا من الأمم التي اتبعت المُرسلين هو لفظ: (كما) وليس: (مثل ما).
وما البلاغة في ذلك؟
إنَّ كلام الله ليس ككلام البشر، كل لفظ في القرءان جاء في موضعه بدقة بالغة.
وفي قول الحق: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ (183) ﴾ جاء لفظ: (كما) بدقة بالغة تنقل لنا مُراد الله ـ تعالى ـ من الآية الكريمة.
وذلك يُثبت لنا أنه لا ترادف بين الألفاظ المُختلفة في القرءان، فلكل لفظ دلالة بالغة الدقة تُميزه عن غيره من الألفاظ الأخرى.
وبهذا اللفظ: (كما) علمنا أنَّ مُراد الله ـ عز وجل ـ يتحقق بمجئ لفظ: (كما) وليس: (مثل ما) لأن كما هي من ستنقل لنا مُراد الله من الآية.
وبالتالي: لا يُمكن استبدال: (كما) بلفظ: (مثل ما) ذلك من بلاغة القرءان لئلَّا يتغير مراد الله ـ عز وجل ـ في الآية الكريمة.
أي لا نشرح الآية: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ (183) ﴾ فنقول: أي كانوا يصومون مثل ما نحن نصوم؟!
وما الاختلاف الذي سينشأ عن ذلك؟
سيتغير المعنى عن المُراد الحق للآية الكريمة، حيث سينتقل بطريقة التطابق بين صيامنا وصيام من سبقونا من الأمم دون اختلاف؛ لطريقة التشابه الذي يحتمل فيه اختلاف طريقة الصيام (ولو قدرًا يسيرًا)!
ولكن الحق يظهر حين نجعل كل لفظ في موضعه، ونبينه كما هو فنقول مثلًا: إنَّ من قبلنا من الأمم؛ كانوا يصومون كما نصوم نحن من الفجر إلى الليل، لا اختلاف بين صيامنا وصيامهم.
ذلك لأن الله أراد أن يُبين لنا أنَّ من سبقونا واتبعوا المرسلين (قبل أن يُنزل القرءان) كانوا يصومون كما نصوم الآن من الفجر إلى الليل.
وما الدليل على ذلك؟
الدليل على ذلك هو لفظ: (كما) الذي يُدل على التطابق بين الأفعال، والأقوال، وليس التشابه؛ فأثبت مجيئه (وليس مجئ: (مثل ما)) على أنَّ من سبقونا كانوا يصومون من الفجر إلى الليل.
وقد ذَكر الله ـ تعالى ـ طريقة الصيام في قوله: ﴿ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ
طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (184) شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ
ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ
وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي
وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ
فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ
ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ (187) ﴾ سورة البقرة.
لقد ذَكرت الآية الكريمة كل ما يعلق بصيامنا، وكان ذلك صيام من سبقونا من الأمم.
ومن هنا نتبين أنَّ لفظ: (كما) في الآية: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ (183) ﴾ بالغ الدقة والكمال لأنه؛ نقل لنا طريقة صيام النبيين ومن تبعهم قبل أن يُنزل الله القرءان.
ذلك من بلاغة ودقة الألفاظ في القرءان الكريم التي تأتي بكل لفظ في موضعه ليتحقق به مراد الله ـ تعالى ـ من الآية.


