نعلم: أنَّ أصل بناء قواعد التعبير الصائبة في اللسان العربي؛ هو استنباطها من القرءان؛ لذلك يجب أن تكون تلك القواعد متوافقة معه دائمًا؛ ولا تُخالفه أبدًا؛ لئلَّا يتغير المعنى عن المراد الحق الذي جاء في كتاب الله (ولو بالتأويل، أو المجاز..).
القرءان هو أفضل ما يُمكن أنَّ نستبنط منه قواعد اللسان العربي التي لن يختلف حولها الناس (لأنَّهم لن يجدوا فيها اختلافًا؛ لأنها دلالات ثابتة لا تتغير في الآيات الكريمة).
الله نفى وجود اختلاف في القرءان: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء.
هذا يعني أنَّ القرءان ذو قواعد تعبيرية ثابتة سواء من حيث دلالات الألفاظ، ومواضعها.
كيف يستيقن الناس أنَّ القرءان هو كلام الله؟
أن نستنبط القاعدة كما هي في الآيات دون تأويل؛ وبالتالي: يستيقن الناس أنَّ القرءان هو كلام الله الذي لا اختلاف فيه كما قال الحق: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾.
وحين تتوافق جميع قواعد اللسان العربي مع كلام الله؛ سيُمكننا بإذن الله فقه آيات القرءان كما أرادها الله ـ تعالى ـ وسنُغلق (في ذات الوقت) باب التشكيك في القرءان، حين تكون حجتهم: أنَّه يُخالف قواعد اللسان العربي، أو يُخالف معاني الألفاظ التي اعتدنا عليها في اللهجات العربية.
أمثلة مما طعن فيه الملحدون:
من أمثلة ما طعن فيه الملحدون قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (92) ﴾ سورة يونس.
فطعنوا في موت فرعون غرقًا، وأدعوا تناقض القرءان فقالوا: آية تقول: ﴿ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ
أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (90) ﴾ سورة يونس، وآية أخرى تقول: ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (92) ﴾ فقالوا: هل فرعون غرق؛ أم نجا؟!
ذلك لأنهم ظنوا أنَّ البدن يُطلق على الإنسان الحي مثل ما ينتشر في اللهجات العربية، ولكن نسوا أنَّ القرءان له بلاغته التي تعلو على أي بلاغة بشرية.
فحين نتدبر القرءان ونستنبط معاني ألفاظ: (البدن، الجسم، الجسد) كما جاءت في كتاب الله (وليس كما هي في اللهجات العربية).
ماذا عن دلالة الجسم كما جاءت في القرءان؟
قال الله ـ عز وجل ـ : ﴿ وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ (247) ﴾ سورة البقرة.
طالوت ناسبه لفظ: (الجسم) ﴿ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ ﴾.
وتأكدت مناسبة الجسم للإنسان الحي في قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ (4) ﴾ سورة المنافقون.
إذًا الجسم هو من يصف الإنسان الحي.
وماذا عن دلالة الجسد؟
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسَۡٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ (8) ﴾ سورة الأنبياء.
هم ليسوا جسدًا لأن الجسد لا يأكل الطعام، وهذا دليل على أنَّ الجسد لا يصف الإنسان أبدًا لأن الإنسان يأكل الطعام.
إنما جاء الجسد وصفًا لعجل السامري الذي صنعه من حلى القوم، وعبده بني إسرائيل: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ (148) ﴾ سورة الأعراف.
ويتأكد لنا المعنى في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ (87) فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88) ﴾ سورة طه.
لقد جاء لفظ: (الجسد) في المرتين وصفًا للعجل الذي صنعه السامري من الحلي؛ مما يُؤكد أنَّ الجسد لا يأكل الطعام؛ وهذا من بلاغة القرءان الكريم التي جعلت لكل لفظ دلالته الخاصة به، والتي لا يُمكن أن تكون لغيره من الألفاظ الأخرى.
فلا يُمكن أن يأتي الجسد وصفًا للإنسان عكس ما هو شائع في اللهجات العربية.
يبقى لفظ: (البدن) كيف نتبين دلالته من القرءان؟
البدن جاء في القرءان وصفًا للأنعام بعد ذبحها ﴿ وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ
جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ (37) ﴾ سورة الحج.
وكان وصفًا لفرعون بعد موته ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (92) ﴾.
مما سبق يتبين لنا أنَّ البدن هو: الجسم بعد موته، هو الذي يتحلل بعد موت الإنسان.
إذًا حسب ما نتبينه من بلاغة القرءان: البدن هو الذي يُعبر عن الإنسان بعد موت الجسم والنفس؛ أي أنَّ البدن هو الجسم بعد موته.
وبهذا يتبين لنا أنَّ قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (92) ﴾ هو مُعجزة بيانية، وصفت الحدث بدقة بالغة لا تظهر لنا إلَّا بتدبر القرءان.
فالذي خرج من الماء هو بدن فرعون بعد غرقه، وليس جسم فرعون، وهذا يُؤكد لنا أنَّ فرعون غرق حقًا كما ذَكرت الآيات الكريمة.
وبهذا انقلب التشكيك في آيات الله لمُعجزة بيانية تفوق قدرة الإنس والجن على أن يأتوا بمثلها، وردت بلاغة القرءان في ذات الوقت شُبهة من قالوا: إنَّ القرءان به تناقض.
إنَّ دلالات الألفاظ كما نستنبطها من القرءان، وقواعد اللسان العربي المبين؛ هي من تصل بنا بإذن الله لمُراد الله من الآيات بدقة بالغة.
كذلك تظهر لنا دقة البيان في القرءان في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَ (77) ﴾ سورة طه.
والسؤال: هل سيتغير المعنى لو جاء: (فاضرب لهم في البحر طريقًا يبسًا)؟!
ربما في اللهجات العربية لا فرق بين القولين، لكن في القرءان تظهر المُعجزة البيانية التي تفوق قدرات الإنس والجن.
لأن تغيير موضع لفظي: (طريقًا، البحر) سيجعل القول في غير القرءان: (فاضرب لهم في البحر طريقًا يبسًا) يعني أنه سيضرب الطريق وهو في البحر (ذاته) أي بعد أن يدخل البحر، وليس قبل أن يدخل البحر! ـ وقد لا يلتفت البعض لهذه الدقة في مواضع الألفاظ ـ .
لذلك ومن بلاغة موضع كل لفظ في القرءان التي لا نتبينها إلَّا بتدبر الآيات؛ الله ـ تعالى ـ لم يقل: (فاضرب لهم في البحر طريقًا يبسًا) ولكن قال:
﴿ فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا ﴾ حيث جاء لفظ: (طريقًا) قبل لفظ: (في البحر) لأن هذا معناه أنه سيضرب لهم الطريق أولًا؛ أي وهو على الساحل قبل أن يدخل البحر.
وهذا بلا شك بلاغة قرءانية بالغة الدقة والكمال، تفوق كلام البشر وتنظيماتهم التعبيرية، لا يختل فيها ولو موضع لفظ في الآية.
إنَّ الكثير الذي تبيناه من قبل؛ يُؤكد أنَّ تدبر القرءان هو سبيلنا لتبين معانيه العظيمة، والمُراد من ءاياته دون اختلاف بين البشر.
نعم، دقة البيان في القرءان، وثوابت دلالات ألفاظه في الآيات حين نستنبطها كما هي في القرءان، دون تأويل، أو مجاز؛ ستُؤدي للتوافق حول دلالة كل لفظ، وبالتالي: التوافق حول مُراد الله ـ عز وجل ـ من الآيات الكريمة.


