A peaceful mosque interior featuring a backlit window, rehal stand, and intricate architecture.

ما هي دقة بلاغة البيان في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ ﴾؟

بلاغة البيان في القرءان لا تنفد، ولو تدبره الناسُ جميعًا في كل الأزمنة..

وفي قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ﴾ تظهر لنا بلاغة لفظ: ﴿ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ ﴾ ولماذا لم تقل مثلًا: (إنه مثله) أو (هو مثله) أو غير ذلك من الوصف، لماذا جاء حرف: (الكاف) تحديدًا، وليس: (مثل)؟

 هذا ما سنتبينه بإذن الله من بلاغة البيان في القرءان الكريم..

البلاغة في مجئ لفظ: (كأنه) وليس: (مثله) وهو ما يُبين لنا أنَّ تغيير ولو حرفًا في الآية سيُغير من البلاغة المُعجزة للآية الكريمة.

كان ذلك في قصة سليمان ـ عليه السلام ـ وملكة سبأ التي كانت وقومها يسجدون للشمس من دون الله كما جاء في سورة النمل:

﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ (21) فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۢ بِنَبَإٖ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ (24) ﴾.

ثم سأل سيدنا سليمان من يستطيع أن يأتيه بعرشها ﴿ قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ (38) قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ (39) قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ (40) قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ (41) ﴾ أتهتدي إلى أنها عرشها بالفعل؛ أم لا تهتدي..

وهذا يدل على أنَّ تنكير العرش لم يُغير من معالمه لكي تتحقق رؤية سيدنا سليمان ﴿ نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ﴾.

وحين جاءت سألوها: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ (43) ﴾ لاحظوا بلاغة السؤال:

﴿ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ ﴾ لم يُقَل لها: (أمثل هذا عرشك) لأن مثل تدل على التشابه، وليس التطابق، وسيدنا سليمان لم يُرد ذلك؛ بل أراد أن تتبين أنه ربما يكون عرشها بالفعل، جاء به ليكون له مُعجزة إلهية تتبين منها أنَّ سليمان ـ عليه السلام ـ هو رسول من عند رب العالمين.

ولاحظوا بلاغة الإجابة: ﴿ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَ ﴾ وهذا هو الوصف الرباني لما في نفسها من إجابة تُؤكد أنها تراه عرشها؛ لذلك لم تقل: (إنه مثله) أو (إنه مثل عرشي) الذي يعني التشابه فقط بين العرش الذي تراه أمامها وعرشها.

ولكن لماذا لم تقل: (إنه هو)؟

 لأنه يُغلب عليها شعورها بالتعجب: لو قالت: (إنه هو) فكيف جاء هنا؟!

ملكة سبأ تعلم كل تفاصيل عرشها؛ فهل يُمكن أن يصل التشابه إلى درجة التطابق بين العرشين؟!

بالتأكيد لا؛ لذلك قالت: ﴿ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ ﴾ ولم تقل (لو كانت تُشبه عليه فقط): (إنه مثله).

وماذا لو قالت: (مثله)؟

 سيدل ذلك على أنها رأت اختلافًا ملحوظًا، لكن هي لا ترى أي اختلاف ملحوظ؛ وهذا يعني أنَّ تنكير العرش لم يُغير معالمه التي يُمكن أن تجعلها مُتعجبة من درجة التطابق بين العرشين.

فلا شك أنها أدركت التفاصيل التي يستحيل أن تكون في غيره؛ لذلك جاء الوصف القرءاني لِمَا في نفس ملكة سبأ بالوصف الإلهي المُعجز: ﴿ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ ﴾ وليس: (مثله) ذلك من بلاغة الآيات في القرءان الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart