وما الدليل البلاغي الذي نتبينه من مواضع الألفاظ في القرءان الكريم؟
إنَّ بلاغة القرءان لا تنقطع، كل لفظ في كتاب الله يأتي في موضعه ولا يتغير مع الآيات؛ مما يدل على أنه كلام الله المُحكم الذي يعلو فوق كلام البشر..
من تلك الآيات ما نتبين منه عدة أمور:
التفريق المحكم بين لفظي: (إلى، واللام).
الذي بدوره أثبت أنَّ الإنسان في إيمانه وعمله مُخير وليس مسير.
فنقف بإعجاب شديد من دقة القرءان، وبلاغت آياته..
التفريق المحكم بين لفظي: (إلى، واللام).
سنلاحظ بإذن الله في كل الآيات الكريمة كيف جاء لفظ: (إلى) وليس حرف: (اللام) بلا اختلاف ولو في آية واحدة؛ لتضع لتتوافق مع مراد الله ـ تعالى ـ وتثبت لنا أنَّ الإنسان مُخير وليس مُسير.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (257) ﴾ سورة البقرة.
وسيتكرر الأمر في كل الآيات؛ مجئ لفظ: (إلى) وليس (اللام):
﴿ الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ (1) ﴾ سورة إبراهيم.
قال ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ولم يقل: (من الظلمات للنور).
لماذا؟
لأن حرف: (اللام) يُدخل الشئ فيما بعده، فلو جاء حرف اللام، سيجعل الإنسان مُسيرًا وليس مُخيرًا: ليس هو من يختار عمله: (إيمان، أو كفر، صالحات، أو فساد..) أي لا يفعل بإرادته..
ولأن هذا مخالف لحكم الله إذ جعل الله ـ تعالى ـ الإنسانَ مخيرا ليحاسبه ولا يظلمه يوم القيامة.
كان اللفظ المناسب هو لفظ: (إلى).
لماذا؟
لأن لفظ: (إلى) لا يدخل في الشئ الذي يأتي بعده.
ويكون المُراد كالتالي:
حين قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ (1) ﴾ ولم يقل: (من الظلمات للنور) دل ذلك على أنَّ الله يُخرج الإنسان من الظلمات برسالته ورسله بإذنه ليعرف الإنسان طريق النور؛ ثم الإنسان هو من يقرر بعد ذلك هل يسير فيه؛ أم لا..
(إلى) تعني أنَّ الله سيضع الإنسان أمام طريق النور، ولكن لن يجبره على السير فيه..
إذًا لفظ: (إلى) جاء في موضعه ببلاغة؛ ليدل على أنَّ الإنسان مُخير في عمله وليس مُسيرًا.
وهذا عكس ما يدل عليه حرف: (اللام) الذي يعني أنَّ الإنسان سيُوضع في طريق النور، ويُجبر على السير فيه ولو دون إرادته ورغبته.
لقد تكرر الأمر في الآيات التالية ليدل على بلاغة القرءان ودقة ألفاظه وإحكام آياته:
﴿ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بَِٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ (5) ﴾ سورة إبراهيم.
الرسول والآيات هما من يُخرجان الإنسان من الظلمات (لأنه جاءه منهج من عند الله يُبين له الحق والباطل) ويضعانه أمام طريق النور ليسير فيه بعد ذلك برغبته وإرادته أي دون إجبار على ذلك.
الرسالة هي النور الذي يأتينا من عند الله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (157) ﴾ سورة الأعراف.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا (43) ﴾ سورة الأحزاب.
لم يقل: (ليُخرجكم من الظلمات للنور) إنها دقة القرءان في مجئ الألفاظ، وكيف يكون كل لفظ في موضعه؛ ولكن جاء: ﴿ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ فالله يُبين للناس طريق النور من خلال الرسل وما معهم من رسالة؛ ثم يكون إنسان بإذن الله هو صاحب قراره: يسير فيه؛ أم لا.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ (9) ﴾ سورة الحديد.
الآيات هي النور الذي أنزله الله ـ تعالى ـ للناس..
فهل يجبرهم على الأخذ بها؟!
لا بل يترك لهم الحرية في ذلك.
دليل آخر على أنَّ الآيات هي النور: ﴿ رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ ﴾ من الآية (11) سورة الطلاق.
وكما تبين لنا من الآيات الكريمة كيف في كل مرة يأتي لفظ: (إلى) وليس حرف: (اللام) قبل النور.
وقد جاء كذلك لفظ: (إلى) قبل الظلمات: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ الطغاة ليس لهم سلطان على الإنسان: ﴿ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۢ بَعِيدٖ (27) قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ (29) ﴾ سورة ق.
ليدل هذا على أنَّ الإنسان هو المسئول عن نفسه إن ضل.
وماذا عن المؤمنين؟
﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ (257) ﴾
أي يُخرج الذين آمنوا من الظلمات: (الجهل) إلى النور: إلى (منهج الله، وصراطه المُستقيم) وهم من سيسيرون فيه بإذن الله.
وفي النهاية:
توافقت الآيات (كما تبين لنا) بدقة بالغة في مجئ لفظ: (إلى) وليس حرف: (اللام)؛ لأن المُراد كما ظهر لنا من الآيات هو وضع الإنسان أمام طريق النور ليهتدي له، أو يشقى؛ فيكون بذلك عمله قد تم برغبته وإرادته: قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (54) ﴾ سورة يس.


