من الناس من ظن أنَّ المُراد من الآية الكريمة هو الكفر.. وهذا لا يُعقل لأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يُمكن أن يستجيب لأي إنسان فيجعله يكفر بالحق.
ولكن إذا لاحظنا لفظ: (يُضِلُّوكَ) يتبين لنا أنها في عموم العلم الذي يمتد لكل شئون الحياة.
ونجد من الأدلة على ذلك قول الله ـ تعالى ـ في الآية ذاتها:
﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ﴾ أي يتبعون الظن في أمور، أو شئون حياتهم، مثل: المُحرمات.
والظن يعني أنه لا علم لديهم بما شرعه الله؛ ليس لديهم علم بأحكام النكاح، أوكيف تكون الشهادة في المعاملات المالية، أو كيفية توزيع الميراث، أو مُعاملة الأسير، واليتيم..
كل ذلك لو أطاع المؤمن فيه أكثر من في الأرض سيُضلونه عن سبيل الله (أي عن العلم الحق) الذي يُبين له ماذا يعمل في كل شئون حياته.
معنى قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ﴾ هو: من يتبع سبيل غير سبيل الحق (ولو دون قصد) هو كذلك ضل عن السبيل.. ولا تعني فقط الكفر؛ فليس كل من ضل كفر بالله.
وما الدليل؟
قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ (7) ﴾ سورة الضحى.
هذا ليس ضلال كفر بالله؛ لأن سيدنا محمد قبل أن يُوحى إليه لم يأته علم من عند الله ليكفر به؛ ولم يكن على علم فيما يخص: الشعائر كالصلاة، والأحكام مثل: النكاح، والشهادة، والميراث، والمُحرمات..
وكذلك لا يُراد بها الشرك؛ لأن سيدنا محمد لم يعبد الأصنام؛ بل لم يشرب الخمر، ولم يكذب، وعرفه الناس بالأمانة والخُلق الحسن.
كيف نتبين أنَّ قول الحق: ﴿ وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ﴾ يُراد به كذلك العلم بالتشريع الإلهي؟
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ (116) ﴾
ولاحظوا الآيات التي جاءت بعدها: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بَِٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ (119) ﴾ سورة الأنعام.
نلاحظ أنَّ الآيات تتحدث عن العلم وليس عن الكفر بالله أو بسنته؛ أي تتحدث عما شرعه اللهُ للمؤمنين ليهتدوا به في حياتهم بإذن الله.
ولو أطاعو فيه أكثر من في الأرض سيُضلونهم عن سبيل الله الذي أحق أن يتبينوه ويتبعوه.



