قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (30) ﴾ سورة البقرة.
فسر البعض الآية الكريمة بقولهم: أي خليفة الله في الأرض!
ونقول لهم: وهل الله ـ تعالى ـ له مكان، أو زمان، هل الحق مثل البشر، هل علم الله ومشيئته وإرادته تغيب عن خلقه، هل يفعلون ما لا يعلمه الله ـ سبحانه وتعالى ـ ؟!
بالتأكيد لا..
ما هو المُراد بلفظ: (خليفة)؟
نتبين ذلك من القرءان الكريم:
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ (26) ﴾ سورة ص.
لا شك أنَّ سيدنا داوود ـ هنا ـ ليس خليفة الله؛ لأن الله لا يغيب عن خلقه أبدًا.
إذًا داوود ـ عليه السلام ـ هو خليفة لبشر مثله؛ وأراه خليفة لطالوت؛ لأن طالوت كان ملكًا على بني إسرائيل، وكان سيدنا داوود من جنوده
﴿ فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ (251) ﴾ سورة البقرة.
إذًا داوود ـ عليه السلام ـ خلف طالوت في الملك والحكم بين الناس.
كذلك نتبين معنى خليفة في قول الحق: ﴿ أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ (69) ﴾ سورة الأعراف.
لا شك أنهم جاءوا بعد قوم نوح، ولم يعاصروهم.
هذا يُبين لنا المُراد بلفظ: (خليفة) من خلال آيات القرءان، وبلاغته أنَّ المُستخلف لا يكون موجودًا مع الخليفة في ذات المكان، أو لا يُشاركه في الرأي والحكم إن كان كلاهما حيًا.
﴿ وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ (14) ﴾ سورة يونس.
نعم، الخُلفاء لا يكونون مع المستخلفين في ذات المكان، أو ذات الزمان، وإن كانوا أحياء وكانت خلافة في الحكم، والرأي؛ فإنهم لا يشاركونهم في الحكم والرأي.
مثل ما يتبين لنا من قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (142) ﴾ سورة الأعراف.
سيدنا موسى سيذهب، ويترك سيدنا هارون مكانه في الحكم والرأي.
إذًا سيدنا موسى لن يكون معه؛ وهذا لا ينطبق على الخالق وسيدنا آدم.
لماذا؟
لأن الله لا يترك البشر يفعلون ما يشاءون إلَّا بمشيئته، وإرادته، وعلمه؛ فالله لا يغيب عن خلقه أبدًا؛ لذلك لا يُمكن أن يكون آدم ـ عليه
السلام ـ خليفة لله؛ لأن الله يعلم الغيب، ولا تُعطل مشيئته، أو إرادته عن خلقه في أي عمل يقومون به؛ كل شئ يتم بعلم الله، ومشيئة الله وإرادة الله.
إذًا لمن كان سيدنا آدم خليفة في الأرض؟
كان خليفة لبشر مثله سبقوه في الأرض.
وهذا نتبينه من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ ﴾ فقالت الملائكة: ﴿ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا
وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ﴾ قولهم هذا ليس ظنًا، أو علمًا بالغيب، ولكن كان نتيجة تجربة شاهدوها بالفعل لبشر كانوا يعيشون في الأرض قبل سيدنا آدم، شاهدوهم يُفسدون فيها، ويسفكون الدماء؛ لذلك: ﴿ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا
مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ هذا دليل على وجود بشر كانوا يعيشون في الأرض قبل آدم ـ عليه السلام ـ .
وفي النهاية:
يتبين لنا من آيات القرءان أنَّ سيدنا آدم لم يكن خليفة لله في الأرض؛ لأنه لا يُمكن أن يتحقق مفهوم الخلافة بين المخلوق، والخالق ـ عز وجل ـ لا من حيث الزمان، ولا من حيث المكان: لأن الله لا يحويه زمان ولا مكان.
ولا من حيث الحكم لأن الله لا يُخلف أحدًا في حكمه.
ولأن الخلافة تستوجب غياب المُستخلف فيما أُستخلف غيره فيه؛ فإننا نطرح هذا السؤال:
كيف يكون الإنسان خليفة لله في الأرض، والإنسان لا يفعل شيئًا دون إرادة الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما أنَّ الله لا يغيب عن خلقه لحظة واحدة؟!
إنما سيدنا آدم كان خليفة لبشر مثله؛ وهذا تبيناه من قول الملائكة:
﴿ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ ﴾ و من قول الله لهم: ﴿ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ﴾ الذي أكد لنا أنهم لا يتكلمون بعلم الغيب.



