إنَّ بلاغة الآيات وتفصيلها لهي خير ما نتبين منه الحق دون الدخول في روايات ظنية.
ومن بين تلك الموضوعات التي يكثر فيها الجدل: مصير والدي النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ :
هل هما من أهل النار أم لا، وهل مُنع النبي من أن يستغفر لوالدته أم لا؟!
هذا الخلاف لا يتوقف عند مصير والدي النبي فقط؛ بل يمتد ليشمل أهل الفترة، ومن لم يأتهم نذير (حتى بعد وفاة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ )
فالذي لم تأتِه رسالة سيدنا محمد (القرءان الكريم)، أو الذي لم يعلم بها، أو من جاءته مُحرفة؛ هو ممن لم يأتِهم نذير.
حين لا يكون الأمر في موضعه؛ سيتبين لنا أنه يُخالف آيات القرءان، ويُحدث في الدين أحكامًا ليست فيه؛ بل ومُخالفة لآيات القرءان؛ فتضل الناس عن الحق الذي جاء في كتاب الله.
وقد تبين لنا (من قبل) أنَّ والدي النبي من أهل الفترة؛ وبالتالي: ممن لم يأتِهم نذير..
وما الدليل على ذلك؟
قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ (44) ﴾ سورة سبأ؛ إنه قول فصل.
وعلمنا من القرءان أنَّ من لم يأتِه نذير لا يُعذبه الله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ﴾ من الآية (15) سورة الإسراء.
فكل من يدخل جهنم يُقر أنه قد جاءه نذير: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ (8) قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ (9) ﴾ سورة الملك؛ وهذا يتوافق مع قول الله ـ عز وجل ـ : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ﴾.
ولن تجدوا أي اختلاف في آيات القرءان؛ لأنه من عند الله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء.
ولدينا دليل آخر من القرءان الكريم، يُفصل لنا الآيات، ويُبين لنا أنَّ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يُمكن أن يدعو ربه أن يغفر لوالديه:
حين دعا إبراهيم ـ عليه السلام ـ ربه قال: ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾ سورة إبراهيم.
وهما من أهل الفترة، ولم يأتِهما نذير، ومع هذا لم يمنعه الله من الدعاء لهما.
أما آزر الذي تبرأ منه إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد أن علم أنه عدو لله (لن يغفر الله له) لم يكن والده (وهذا تبيناه من قبل).
وما الدليل على أنَّ آزر ليس هو والد سيدنا إبراهيم؟
لأن هذا الدعاء: ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ﴾ كان بعد هجرة إبراهيم ـ عليه السلام ـ قومه وأرضهم، وبعد أن ذهب لمكة، ورزقه الله ـ تعالى ـ بإسماعيل وإسحاق ـ عليهما السلام ـ .
وإليكم تفصيل الآيات على ذلك الدليل:
﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (36) رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفِۡٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ (37) رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ (38) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (39) رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ (40) رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾ سورة إبراهيم.
فإذا قسنا الأمور حسب تفصيل آيات القرءان التي لا تختلف، ولا تتناقض؛ نسأل من قالوا: النبي مُنع من أن يستغفر لوالدته!
وكيف يستغفر إبراهيم ـ عليه السلام ـ ربه لوالديه ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾، وهما كذلك من أهل الفترة، مثلما أنَّ والدي النبي من أهل الفترة؟!
القرءان لا يتناقض؛ إذًا هذا دليل على أنَّ الله ـ تعالى ـ لم يمنع النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ من أن يدعو ربه أن يغفر لوالديه.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ (89) ﴾ سورة النحل.



