Stunning view of the Prophet's Mosque minarets at sunset in Medina, Saudi Arabia.

ما هي البلاغة في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ ﴾؟

ولماذا لم يقل: (فاسعوا لذكر الله)؟

هل ذلك يعود إلى بلاغة القرءان، ودقة التفريق بين لفظي: (إلى) وحرف (اللام)؟

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ (10) ﴾ سورة الجمعة.

يتميز القرءان ببلاغته التي ليس للبشر قدرة على أن يأتوا بمثلها، فيها كل لفظ يأتي في موضعه بحكمة بالغة، يتحقق بها مُراد الله ـ عز وجل ـ .

وهنا نتبين شيئًا من تلك البلاغة حين نتوقف، ونتدبر قول الحق:

﴿ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ ﴾ والفرق بينها وبين القول في غير القرءان: (فاسعوا لذكر الله).

لفظ: (إلى) هو من جاء في الآية الكريمة، وليس حرف: (اللام) وذلك يتوافق ببلاغة بيانية مُعجزة مع مُراد الله من الآيات.

فلابد من وجود بلاغة بيانية اختارت: (إلى) ولم تختَر: (اللام)؛

ذلك لأن كلام الله ليس ككلام البشر، كل لفظ فيه له دلالة  تُبين مُراد الله ـ عز وجل ـ بدقة بالغة لا نقص فيها؛ إنما هي الكمال ذاته.

وعلى أي شئ يدل لفظ: (إلى)؟

يدل على الانتقال من مكان إلى مكان آخر، ولأن مُراد الله هو أن يسعى المؤمنون حين يسمعون الآذان من يوم الجمعة للمساجد التي سيكون فيها ذكر الله؛ جاء لفظ: (إلى) الذي يدل على الانتقال من مكان إلى آخر.

أي أنَّ ﴿ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ ﴾ دل على أنَّ السعي هو وسيلة لانتقال المؤمن من مكانه للمسجد، وليس هو الذكر ذاته (ليس هو المُراد به الذكر)

وماذا لو جاء حرف: (اللام)؛ أليس (اللام) مثل: (إلى) حيث نقول: ذهب إلى المسجد؛ بمعنى: ذهب للمسجد؟

لو كان الأمر كذلك لجاء حرف (اللام) ولكن القرءان يُفرق بين الألفاظ بدقة بالغة؛ فليس في القرءان ترادفًا (تطابقًا) بين (إلى) و(اللام) لا بد من وجود اختلاف دقيق بينهما.

(إلى) تدل على الانتقال نحو الشئ، ولكن لا تدل على الدخول فيه.

والدليل قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ ﴾ من الآية (187) سورة البقرة.

 فلا يُمكن أن يدخل الصيام في الليل؛ لأن الذي جاء هو لفظ: (إلى) وليس حرف: (اللام) الله لم يقل: (ثم اتموا الصيام لليل) وهذا ما يتوافق مع موعد إفطار المسلمين في شهر رمضان حيث يفطرون في أطراف النهار (قبل دخول الليل مباشرة).

﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ ﴾ ذلك من بلاغة القرءان ودقة ألفاظه التي يتحقق به مُراد الله؛ وهو: أن يفطر الصائم في آخر اليوم (أطراف النهار) وليس في الليل (ذاته).

إذًا حرف: (اللام) يدل على الدخول في الشئ، أو أنَّ الشئ الذي جاء معه حرف اللام هو  المُراد بذاته.

فلو جاء: (فاسعوا لذكر الله) يكون السعي هو الذكر، ولو جاء: (ثم اتموا الصيام لليل) لدل على دخول الصيام في الليل، وأن يفطر الصائم في الليل، ولكن ذلك ليس مراد الله كما تبين لنا.

وبالعودة لبلاغة قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ ﴾ دلت على أنَّ ليس السعي هو المُراد بالذكر لذلك لم يكن القول: (فاسعو لذكر الله) 

لأنه لو جاء: (فاسعو لذكر الله)  فإن الذكر سيتحقق بمجرد السعي؛ بل سيكون السعي هو الذكر، مثل: من يذكر الله بالسعي بين الصفا والمرة.. ولكن هذا ليس مُراد الله ـ تعالى ـ .

وما هو مراد الله ـ تعالى ـ ؟

 مُراد الله هو أن يسعى المؤمنون للمساجد ليقيموا فيها ذكر الله بإقامة صلاة الجمعة، والاستماع إلى ما يسبقها من خطبة، فليس السعي في حد ذاته هو المُراد، ولكن هو الوسيلة للذهاب للمساجد لذكر الله فيها.

وما الدليل أنَّ صلاة الجمعة تكون في المساجد وأنها هي المرادة بالذكر؟

الدليل نتبينه من بلاغة قول الله ـ عز وجل ـ : ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ﴾ فلا انتشار إلَّا بعد تجمع، وهنا تجمع المؤمنون في المساجد ليذكروا الله بإقامة الصلاة.

 إذًا قول الله: ﴿ فَٱنتَشِرُواْ ﴾ دل على تجمع المؤمنين في المساجد، وقول الحق: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ ﴾ دل على أنَّ تجمعهم في المساجد هو لذكر الله بإقامة الصلاة (صلاة الجمعة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart