النسيان هو ترك الشئ (عدم الأخذ بالشئ) إما بتعمد (تجاهل الشئ) أو دون تعمد (عدم تذكره دون إرادة من الإنسان).
وسيتبين لنا ذلك من خلال تدبر آيات القرءان الكريم..
النسيان قد يعني عدم التذكر دون إرادة الإنسان، وهذا هو الأشهر، ولكن قد يعني كذلك تعمد تجاهل الشئ (كأنه غير موجود) وهذا ربما لا يعرفه الكثير من الناس، وجعل المبطلون يظنون وجود أخطاء في القرءان الكريم.
النسيان دون إرادة الإنسان..
من الآيات التي نتبين منها أنَّ النسيان هو عدم التذكر الذي ليس للإنسان إرادة فيه:
﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ من الآية (68) سورة الأنعام؛ فالنسيان هنا هو عدم التذكر.
كذلك قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا (24) ﴾ سورة الكهف؛ كما نرى نسيان بسبب عدم التذكر الذي لا يكون للإنسان إرادة فيه.
لكن هل هناك معنى آخر للنسيان؟
نعم، مثل: النسيان بعدم ذكر الشئ بإرادة..
وذلك نتبينه من قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ (106) ﴾ سورة البقرة.
فالنسيان لا يعني فقط عدم تذكر الآيات، كما يتبين لنا، ولكن من النسيان عدم مجيئها مرة أخرى.
ومن النسيان الذي نتبينه من بلاغة القرءان ما يتسبب في المعصية
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا (115) ﴾ سورة طه؛ لأن النسيان هنا كان معصية لمُخالفة أمر الله ـ تعالى ـ .
ذلك يعني أنَّ النسيان ليس فقط ما يكون دون إرادة الإنسان؛ فسيدنا آدم كان يعلم أنه يُخالف أمر ربه؛ لهذا كانت معصية.
لو كان عدم تذكر (دون إرادته) لما وصفها الله ـ تعالى ـ بالمعصية.
وقول الله ـ عز وجل ـ : ﴿ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ﴾ إنها من بلاغة القرءان أن بين الله ـ تعالى ـ لنا أنَّ آدم ـ عليه السلام ـ فعل معصية لأنه خالف أمر الله وهو يعلم، وليس لأنه لم يتذكر أمر الله له دون إرادته.
لأنه كان يعلم أنَّ الأكل من الشجرة هو شئ يُخالف أمر ربه الذي نهاه من قبل عن الأكل منها، وحذره من الاستجابة للشيطان؛ الذي علم من قبل أنه عدو له ولزوجه.
﴿ فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ (120) فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن
وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ (121) ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ (122) ﴾ سورة طه؛ التوبة تكون بعد معصية (ذنب مُتعمد) أي بعد نسيان (مُتعمد لأمر الله).
نعم ذلك من النسيان الذي لا يعني عدم تذكر الشئ دون إرادة الإنسان، ولكن هو وصف لعدم اهتمام الإنسان بالشئ مع تذكره؛ أي يتجاهله مُتعمدًا وكأنه غير موجود.
ومن أمثلة النسيان مع تذكر أمر الله:
﴿ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ من الآية (237) سورة البقرة.
فليس المُراد به أنهم لا يتذكرونه دون إرادتهم، ولكن هم يتذكرون، ولكن يتجاهلون أمر الله ـ تعالى ـ .
إذًا النهي هنا ليس عن عدم التذكر الذي يتم دون إرادة، ولكن النهي هنا هو نهي عن النسيان الذي يتجاهل صاحبه أمر الله مُتعمدًا.
نعم، لقد وصف الله ـ تعالى ـ ذلك بأنه نسيان.
﴿ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (44) ﴾ سورة البقرة؛ هنا هم يفعلون شيئًا يُلامون عليه لأنه فعل مذموم؛ حيث يكون النسيان بتعمد وإرادة منهم.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ (41) ﴾ سورة الأنعام.
ليس المُراد بها عدم تذكر من اتخذوهم آلهة من دون الله، ولكن لا يدعون ما يُشركون؛ لأنهم يعلمون أنهم لن ينفعوهم شيئًا؛ لذلك يدعون الخالق ـ عز وجل ـ وحده.
هنا النسيان من التجاهل، وليس من عدم التذكر؛ لأنهم لن ينسوا أنهم أشركوا بالله ـ تعالى ـ .
قال الحق: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ (51) ﴾ سورة الأعراف.
هذه الآية الكريمة طعن فيها المبطلون وقالوا: كيف ينساهم وهل الإله ينسى؟!
الله لا ينسى بمعنى عدم التذكر ولكن تجاهلهم بإرادته كما تجاهلوه بإرادتهم.
إذًا يستقيم المعنى بعد أن علمنا أنَّ النسيان لا يعني فقط عدم التذكر؛ وبالتالي: ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ﴾ يعني أنَّ الله، والملائكة لا يستجيبون لهم.
ولا يُمكن أن نصفه نسيانًا ناتج من عدم التذكر؛ وهذه من الآيات التي تُثبت أن النسيان لا يعني فقط عدم التذكر غير المُتعمد.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (67) ﴾ سورة التوبة.
نسوا الله مُتعمدين، لم يهتموا بآياته وهم يعلمون، وتجاهلوا أوامره (نسوها بإرادتهم) وكأنه ليس للسمـٰوات والأرض إلهًا.
كذلك قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَنَسِيَهُمۡۚ ﴾ لا يعني عدم التذكر، ولكن لا يستجيب لهم فيرحمهم.
وهذا يرد قول المبطلون الذين ظنوا أنَّ النسيان هو فقط عدم التذكر (دون تعمد).
ما هو النسيان:
هو: ترك الشئ (عدم الأخذ به) سواء كان ذلك بتعمد، أو دون تعمد.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ سورة طه؛ الله ـ تعالى ـ لا ينسى كما ينسى الإنسان.
وهذا ليس تناقضًا؛ بل بلاغة قرءانية؛ لأن الآية تتحدث عن العلم فالله لا ينسى العلم، ولا تتحدث الآية عن أن يأخذ الظالمين رحمة من ربهم.
فالله حين لا يأخذ الظالمين برحمته يوم القيامة؛ فهذا نسيان لهم؛ بمعنى أنَّ الله لا يستجيب لهم، ولا يرحمهم.
﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ (126) ﴾ سورة طه.
الله يعلم ما يقولون، ولكن أن حشره أعمى فهذا نسيان له.
النسيان هنا بمعنى أنه يُحشر أعمى بعد أن كان بصيرًا أي فقد شئ كان له من قبل، نسيان بإرادة، وليس نسيان من عدم التذكر.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14) ﴾ سورة السجدة.
لو كان نسيانهم لهذا اليوم دون إرادتهم لَمَا عذبهم الله، ولكن نسوا مُتعمدين (كان بإرادتهم) حين تجاهلوا آيات الله وأوامره؛ أي لم يهتموا بآيات الله وكأنها غير موجودة في حياتهم.
إذًا النسيان هنا من تعمد تجاهل ءايات الله.
أمَّا قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ ﴾ معناه لن يستجيبوا لهم (الملائكة لا تهتم بأمرهم).
كذلك فقدوا رحمة الله ـ تعالى ـ التي كانت تُصيبهم في الدنيا، وفقدوا أن يُستجاب لهم بتخفيف العذاب.
قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (37) ﴾ سورة التوبة.
النسئ هنا من النسيان، وليس من التأخير؛ والنسيان هنا من معرفة الحق وعدم الأخذ به..
لأن النسيان فعل بشري؛ لكن التأخير لفظ زمني (من الزمن) فالتأخير وعاء لفعل الإنسان.
لماذا النسئ لا يعني التأخير؟
لأن تأخير الشئ لا يعني عدم فعله في المستقبل؛ فمن عليه دين قد لا يستطيع تسديده في وقته؛ فإنه يُأخر السداد لوقت مقبل يتيسر فيه السداد، ولا يلغيه أصلًا لأنه سيُسدده في المستقبل.
التأخير هو عدم فعل الشئ إذا حان وقته، وفعله في المستقبل.
أما معنى النسئ في الآية هو: فعل مُتعمد يلغي الشئ، وليس يُؤخره؛
إذًا النسئ هنا من التجاهل، وليس من التأخير، فعل يُنسب لتجاهل مُتعمد، وليس لزمن مُتأخر، لا يأخذون به عامًا، ويأخذون به عامًا.
لذلك وصف الله ـ تعالى ـ بأنه زيادة في الكفر؛ حيث فاعله يُغير في سنة الله مُتعمدًا؛ فيُحلونه عامًا (يأخذون به عامًا) ويُحرمونه عامًا (لا ياخذون به عامًا) وهم يعلمون أنه لا يتوافق مع الحق.
هم لم ينسوه دون إرادتهم فلم يتذكروه، ولكن تعمدت قلوبهم عدم الأخذ بأمر الله وسنته وكأنه غير موجود.
النسيان له معنى عام وهو ترك الشئ.. ولكن تركه يكون إما دون إرادة (ليس بتعمد) أو بإرادة (بتعمد) مع العلم بذلك.
مثل من تأتيه آيات الله، ويُذكرونه بها؛ فيتركها مُتعمدًا وكأنه لم يسمعها.



