من يقولون: إنَّ الناس سيرون الله بجارحة العين رؤية بصرية يوم القيامة، يتخذون من هذه الآية الكريمة دليلًا على صدق قولهم؛ فقالوا ناظرة؛ أي ناظرة بالعين، ترى ربها رؤية بصرية!
لكن ماذا لوعدنا لبلاغة القرءان الكريم، ودقة ألفاظه في الآيات التالية:
﴿ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ (23) وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۢ بَاسِرَةٞ (24) تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ (25) ﴾ سورة القيامة.
هل سنجد ما قالوا هو الحق؛ أم لا؟
من فعل: (تظن) نستنبط أنَّ ناظرة تعني الانتظار وليس النظر بالبصر.
فكلا الوجوه الناضرة، والباسرة تنتظر ربها، بما سيحكم في أمرها..
ويمكن أن نستنبط ذلك من وجود لفظ: (تظن) الذي جاء مع: (وجوه باسرة): ﴿ تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ (25) ﴾ فهي في حالة انتظار كذلك لحكم ربها، ولكن لديها ظن أنه سيُفعل بها فاقرة.
البلاغة التي نستنبطها من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۢ بَاسِرَةٞ (24) تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ (25) ﴾ تُبين لنا أن الوجوه الناضرة، والوجوه الباسرة تتوجه إلى ربها تنتظر حكمه.
ونلاحظ دقة لفظ: (إلى) الذي يدل على وجود حد بين الوجوه التي تنتظر، وحكم ربها الذي لم يعرفونه بعد وهم ينتظرون.
إذًا ناظرة في قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ (23) ﴾ من الانتظار؛ حيث تنتظر حكم ربها الذي لم يعرفوه بعد، ولا يعني ناظرة إلى ربها بالعين.
وماذا عن لفظ: (وجوه) ألَّا يعني النظر بالعين؛ لأن العين في الوجه؟
لفظ: (وجوه) هنا من التوجه فهم يتوجهون إلى ربهم ليعلموا حكمه،
ولا يعني أنَّ تلك الوجوه تنظر إلى ربها فتراه بالبصر.
ومن الأدلة على أنَّ لفظ: (وجه) يأتي كذلك بمعنى التوجه ما نتبينه من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (8) ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ (9) ﴾ سورة يوسف.
هل يقصدون الوجه وما به من عينين؛ أم التوجه باهتمامه إليهم؟
إنهم يريدون من لفظ: (وجه أبيكم) أن يكون توجه أبيهم؛ أي اهتمامه لهم هم فقط، ولا يكون ليوسف نصيبًا من هذا الاهتمام؛ لذلك قالوا: ﴿ يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ ﴾ أي يكون اهتمام أبيهم قد خلى من اهتمامه بيوسف؛ فيكون خالصًا لهمـ؛ هذا مُراد الآية من: ﴿ يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ ﴾ وليس وجه له عينان.
كذلك في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (72) ﴾ سورة آل عمران.
ليس دائمًا يُراد بالوجه ما له عينان؛ ولكن: (وجه النهار) من التوجه إليهم؛ أي حين يتوجه النهار إليهم.
وما الذي دل عليه لفظ: (وجوه) في قول الحق: ﴿ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ (23) وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۢ بَاسِرَةٞ (24) تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ (25) ﴾؟
من دقة القرءان؛ كلاهما جاء معه لفظ: (وجوه) لأن كلايهما يتوجه لربه مُنتظرًا حكمه، والدليل أنَّ الوجوه الباسرة (من التوجه إلى ربها) تظن ـ قبل الحكم ـ أنه سيُفعل بها فاقرة.
إذًا قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ﴾ مع وجوه ناضرة هو كذلك من الانتظار، وليس من النظر بالبصر.
هل يوجد دليل على أنَّ ناظرة هي من الانتظار، وليست من النظر بالعين؟
جاء فظ: (ناظرة) في قصة ملكة سبأ:
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي
مُسۡلِمِينَ (31) قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ (32) قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ
فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ (33) قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ
بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ (36) ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ (37) ﴾ سورة النمل.
قالت ملكة سبأ: (ناظرة) ولا شك أنها من الانتظار؛ فهي تنتظر بما يرجع المرسلون من عند سيدنا سليمان، بما سيخبرونها عن سليمان ـ عليه السلام ـ وما حدث؛ ثم تتخذ قرارها على أساس ما رجع به المرسلون.
هي لا تُريد أن تتسرع في اتخاذ قرار استخدام القوة؛ لذلك قالت لهم:
﴿ وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ (35) ﴾ لتتخذ القرار المناسب حسب ما سيرجع به المرسلون من أخبار.
إذًا ناظرة من الانتظار، وليست من النظر بالبصر..
وكذلك ناظرة في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ (23) ﴾ هي من الانتظار لحكم ربهم.

