لماذا لا يُوجد تناقض بين الآيتيتن الكريمتين:
﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ سورة طه.
﴿ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (67) ﴾ سورة التوبة.
كيف يتبين لنا أنه لا تناقض بين الآيتين؟
تناولنا من قبل الدلالة العامة، والخاصة للفظ: النسيان.. ومن ضمن ما تبيناه عن لفظ: (النسيان): أنَّ النسيان كدلالة عامة هو ترك الشئ (عدم الأخذ به).
أما الدلالة الخاصة فهي: إما ترك الشئ دون تعمد، وهو ما يُطلق عليه: (عدم التذكر) ويكون دون إرادة، أو تعمد من الإنسان، وهذا يغفره الله أي لا يأخذ به لو كان ذنبًا.
والدلالة الخاصة الأخرى للنسيان هي: ترك الشئ بتعمد؛ أي تجاهل الشئ وكأنه غير موجود، فهو ليس نسيانًا من عدم التذكر الذي يكون دون إرادة الإنسان.
بل هذا النسيان يكون بإرادة الإنسان، ولو كان ذنبًا يكون معصية.
ومن خلال ذلك يُمكن رد شُبهة وجود تناقض بين الآيتين:
﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾
﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴾.
دائمًا لرد شبهة يجب العودة لآيات القرءان كاملة، وتفصيل الآيات لبعضها؛ لأن كلام الله بالغ الدقة والإحكام، ثابت المعنى في كل الآيات، لا يتغير أبدًا.
من بلاغة القرءان في قوله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ سورة طه؛ أنَّ الآية ذَكرت لفظ العلم ليستقيم المعنى، وتزول شُبهة التناقض بين الآيات، ويتأكد لنا أنه ليس نسيانًا من عدم التذكر (دون إرادة الله) فالله لا يضل عن علمه ولا ينسى.
البلاغة في الآية نتبينها من لفظ: (علم) الذي أثبت أنَّ نوع النسيان هنا ليس المراد به النسيان الذي يكون بسبب صعوبة تذكر الشئ فهذا لا يليق بالخالق الذي أحاط بكل شيئًا علمًا.
بل الآية الكريمة ﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ تنفي أنَّ الله ينسى العلم، أو يضل عن علم الشئ؛ لذلك حين سأل فرعون سيدنا موسى عن القرون الأولى: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ (51) ﴾ سورة طه؛ أجابه موسى ـ عليه السلام ـ بقوله:
﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ لأن الله لا ينسى ما يعلم، ولا يضل عنه.
وما المُراد بلفظ: (لا يضل ربي)؟
لايضل؛ أي لا تختلط عليه الأشياء، أو الأمور، كما، ومثل ما تختلط على البشر، ولا يجعل الأمور في غير دلالاتها؛ فالله ـ تعالى ـ ليس كالبشر.
ولكن في الآية الأخرى ﴿ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (67) ﴾ نجد أنَّ دلالة لفظ: (النسيان) توافقت مع مُراد الآية الكريمة.
لأن قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ ﴾ لم يكن يُراد به أنَّ الله نسيهم من علمه، أو أنَّ الله ضل عن أمرهم؛ فالله لا يضل عن علمه ولا ينسى، ولكن مُراد الآية بعد أن تبين لنا أنَّ النسيان من دلالته الخاصة هو عدم الاهتمام بالشئ.
وبذلك يتبين لنا أنَّ قول الحق خلال سياق الآية كاملة ﴿ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ
أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (67) ﴾ أنَّ الله لا يُسمعهم في الحياة الدنيا؛ لأن الله علم أنهم لن يستجيبوا للحق، ويوم القيامة لا يرحمهم، ولا يستجيب لدعائهم.
إنه نسيان من عدم الاهتمام بأمرهم، وأنه لا جديد يترتب على قولهم يوم القيامة؛ لذلك لا يُخذ بأمرهم؛ وهذا هو المُراد بقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ ﴾.
إذًا هو نسيان بمعنى عدم الاهتمام بأمرهم، وليس نسيانًا من عدم العلم بهم، أو أنَّ الله ضل عنهم ﴿ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ﴾.
وبهذا لا تناقض بين الآيتين:
﴿ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ سورة طه.
قال الله ـ تعالى : ﴿ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (67) ﴾ سورة التوبة.



