واحدة من روائع بلاغة البيان في القرءان والتي نتبين منها تشريع قرءاني بالغ الدقة والكمال بسبب لفظ جاء في الآية ببلاغة بيانية مُحكمة نجده في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ ﴾..

والسؤال هنا:

لماذا جاء لفظ: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ﴾ وليس: (مثل ما علمه الله) ما هي الدقة البلاغية التي فرقت بين اللفظين فجعلت لفظ: (كما) هو الأنسب لمُراد الله ـ تعالى ـ من الآية الكريمة، وليس: (مثل ما) ؟

الآية الكريمة تُحدثنا عن حكم تشريعي من الله ـ عز وجل ـ يُعلم الكاتب كيف يكتب ما يُملى عليه في شأن الدَين بما يرضي الله ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ والكتابة هي تسجيل الدَين كما هو دون تغيير، ولا يُترك الأمر للتذكر من عدمه.

وهذا يُعلمنا كيف يهتم الإسلام بالحفاظ على حقوق الناس؛ فلا تضيع مع مرور الزمن، أو تحسبًا ألَّا يعترف بها من عليه الدَين، أو لأن الورثة ـ في حال موت من عليه الدَين ـ لا يعلمون عن ذلك الدَين شيئًا لعدم وجود شئ كُتب يُثبته..

﴿ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ ﴾ فذلك حق يُرد كما هو دون أدنى تغيير فيه كما نتبين من الآية: ﴿ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ ﴾.

والله ـ سبحانه وتعالى ـ وضع لنا كل شئ في تشريع إلهي مُحكم يُنظم كتابة الدَين في كل الأحوال فقال ـ عز وجل ـ : ﴿ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ ﴾ أي دون كما هو الدَين دون ظلم، أو إهمال شئ منه.

واشترط وجود شهيدين من رجالكم أي من المؤمنون، يُقران في حال الاختلاف بما هو حق ﴿ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ لا يرفض الشهداء قول الشهادة إذا دعوا للشهادة.

وماذا إن لم يكن رجلين؟

قال ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾.

لماذا امرأتان بدل رجل؟

﴿ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ ﴾ فهو سبب خاص بالتذكر وليس تفريقًا بين الرجل والمرأة في الحقوق.

﴿ وَلَا تَسۡ‍َٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ ﴾ لأن الحق لا يحتمل أي أخطاء فلا تملوا من كتابة الدَين صغيرًا، أو كبيرًا، ويكتبوه إلى أجله (مُوعد استحقاقه). وفي هذا نتبين دقة الإسلام في التشريع المالي، وكيف يجب أن يتعامل الناس في معاملاتهم المالية، ولا يتركون شيئًا للمُصادفة؛ لئلَّا يترابون خشية حدوث خطأ لا يستدلون عليه ماديًا في حال عدم كتابة الدَين.

لكن ماذا لو كانت تجارة حاضرة، وليست دَين إلى أجل مسمى؛ أي إلى وقت مُحدد؟

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾ أي كل شئ يتم في وقته الحاضر من بيع وشراء وكذلك أمرهم بقوله: ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾.

ثم يُحذرهم الله ـ جل وعلا ـ من مخالفة أمره ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ﴾.

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ

وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡ‍َٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن

تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ

وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ  (282) ﴾ سورة البقرة.

وهنا نسعى لتبين دقة لفظ: (كما) التي جاءت في لآية: ﴿ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ ﴾ وما هي دلالته البالغة التي تميز بها عن لفظ: (مثل ما)؟

  من الآيات التي نتبين منها دلالة لفظ: (كما) بدقة بالغة، تدل على أنَّ القرءان هو كلام الله المُعجز؛ ما جاء في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ

إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا (163) وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا (164) ﴾ سورة النساء.

جميعنا يلاحظ أنَّ موسى ـ عليه السلام ـ لم يأتِ في ذات الآية التي جاء فيها النبيين والرسل ـ عليهم السلام ـ .

لماذا لم يأتِ معهم في ذات الآية مع أنَّ أخيه هارون جاء في الآية التي ذَكرت النبيين، وتم ذِكر سيدنا موسى بقول اختصه من بين النبيين في طريقة الوحي في الآية التالية لها ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ﴾؟

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ (51) قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ﴾ سورة طه.

إذًا عدم ذِكر موسى ـ عليه السلام ـ مع النبين ومع أخيه هارون؛ يدل على أنَّ القرءان هو كلام الله بالغ الدقة والكمال، كل لفظ فيه جاء في موضعه بدقة بالغة نتبين منها إعجازًا بلاغيًا وبيانيًا، ليس للبشر أن يأتوا بمثله ولو حاولوا جهد استطاعتهم.

لأن لفظ: (كما) يدل على التطابق بين الفعلين، أو الأفعال ولا يدل على التماثل، أو التشابه؛ ولأن طريقة الوحي إلى سيدنا موسى اختلفت عن باقي النبيين ومنهم سيدنا هارون؛ لم يتم ذِكر موسى ـ عليه السلام ـ معهم؛ ولأن الله لا ينسى ولا يضل؛ جاء ذِكر سيدنا موسى في الآية التي أتت بعدها مع ذكر طريقة الوحي التي تميز بها عن النبيين والرسل والتي لا تتطابق مع طريقة الوحي إليه.

ويدل لفظ: (مثل ما) على التشابه وليس التطابق بين الأفعال كما يتبين لنا من قول الله تعالى: ﴿ وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ (126) ﴾ سورة النحل.

هذه الآية بالغة الإحكام لأنه لا يمكن أن يتطابق العقاب فلو أُتلفت أرض زراعية مثلًا، لا يكون العقاب مطابقًا للفعل، ولكن مماثلًا (مُشابهًا) له.

ما معنى ذلك؟

 بمعنى أن يقوم من أتلف زرع غيره بزراعته من جديد، أو يدفع تعويضًا ماليًا، ولكن الذي وقع عليه الضرر لا يُعاقب الآخر بإتلاف أرضه؛ فالإسلام لا يُشرع إتلاف المال، أو عقاب برئ.

كما أنَّ الله ـ عز وجل ـ فتح باب الصبر، وفي هذا دليل على عدم تطابق العقوبة في بعض الأحيان؛ لذلك لم يأتِ القول: (وإن عاقبتم فعاقبوا كما عُوقبتم) بل قال ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ (126) ﴾.

وبالعودة للآية ﴿ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ

وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا (163) ﴾ التي جاء فيها لفظ: (كما) الذي يدل على التطابق في طريقة الوحي نجده هو سبب عدم ذِكر

سيدنا موسى مع النبيين في ذات الآية الكريمة وجاء بعدها في الآية التي تلتها: ﴿ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا (164) ﴾.

ذلك من بلاغة البيان الرائعة في القرءان الكريم، والتي لا نتبينها إلَّا بتدبر الآيات.

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart