الأمية هي عدم علم الإنسان أي شئ عن موضوع ما؛ لذلك جاء في قول الله ـ تعالى ـ عن أهل الكتاب: ﴿ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ (75) ﴾ سورة آل عمران.
الكتاب يعني العلم؛ إذًا لفظ: (الأميين) في الآية دل على من لا يعلمون شيئًا عن الكتاب.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (2) ﴾ سورة الجمعة.
لأنهم لا يعلمون شيئًا عن آيات الله والكتاب والحكمة؛ لذلك هم كانوا من قبل : ﴿ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ﴾ ضلوا عن العلم الحق.
وماذا عن دلالة لفظ: (الجهل)؟
الجهل يصف من يلغو (من اللغو) بقول ليس بحق (يُخالف سُنة الله).
قال الله ـ عز وجل ـ : ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ (55) ﴾ سورة القصص؛ لقد ربط الله ـ تعالى ـ الجهل باللغو، واللغو هو القول الذي لا فائدة منه، ولا حق فيه.
إذًا يتبين لنا أنَّ اللغو من الجهل الذي يقول صاحبه ما ليس بحق..
لماذا قال الله ـ تعالى ـ لنبيه نوح ـ عليه السلام ـ : ﴿ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ﴾؟
قال ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ (45) قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسَۡٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسَۡٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (47) ﴾ سورة هود.
لأنه سأله ما ليس له به علم؛ كما نتبين من الآيات.
لذلك سيدنا نوح استغفر ربه حين أدرك أنه أخطأ بمُخالفته لسُنة الله، وحكمه، وعلمه: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسَۡٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ﴾.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (42) قَالَ سََٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ (43) ﴾ سورة هود.
كيف نتبين من الآيات المُراد بالجهل؟
لقد ظن سيدنا نوح أنَّ ابنه من أهله؛ أي ظن أنَّ من يكون من نسبه هو هو من أهله.
وبالتالي: ابنه من أهله، وظن أنَّ الله وعده بأنه سيُنجي ابنه (لأنه من أهله) ووعد الله حق، وكلماته لا تتبدل؛ فقال نوح ـ عليه السلام ـ :
﴿ وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ﴾ ولكن نوح ـ عليه السلام ـ رسول يجعل الحكم لله من قبل ومن بعد، هو يجد في نفسه أنه لا يُراجع حكم الله فجعل الأمر للخالق؛ لذلك اختتم دعائه بقوله: ﴿ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ﴾ وذلك من أدب الأنبياء.
لكن كان لسنة الله حكمًا آخر لمعنى الأهل، فهو ليس كما في ظن سيدنا نوح: أنه من أهله لأنه ابنه!
بل في علم الله الأهل ليست بالنسب؛ لذلك الله ـ تعالى ـ يُبين لرسوله الحق:
بداية الله لم ينفِ أنه ابنه، لكن نفى أن يكون من أهله؛ وتلك دقة القرءان: ﴿ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ ﴾ وحذره ربه من أن يسأله ما ليس له به علم ﴿ فَلَا تَسَۡٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ ﴾.
ولماذا حذره؟
لأنه سأل ربه شيئًا لا يتوافق مع علم الله وسُنته حين قال: ﴿ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ﴾.
حيث ظن أنَّ ابنه من أهله، ولكن في علم الله هو من الكافرين، لذلك حين خالف سيدنا نوح علم الله (بما ظنته نفسه) قال الله ـ تعالى ـ له:
﴿ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ﴾ الذين يظنون أنَّ الحق هو ما لديهم وما هو بالحق.
وحين تبين لسيدنا نوح العلم الحق من ربه، أدرك أنه خالف سُنة الله التي تجعل الأهل لمن كانوا على شئ واحد، مثل: من هم على الإيمان بالله؛ فهم أهل في الإيمان، وليس بالنسب.
فاستغفر نوح ـ عليه السلام ـ ربه: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسَۡٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (47) ﴾.



