لا يتوقف الملحدون عن الطعن في الإسلام، ولو جاءوا بروايات موضوعة لا يُمكن أن تمس، أو تُقلل من مُعجزة القرءان الكريم.
ما هي رواية الغرانيق التي يطعنون بها في القرءان؟
تزعم رواية الغرانيق أنَّ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يتمنى لو أنَّ قومه يؤمنون برسالته.
وتقول الرواية:
في يوم كان النبي في أحد الأماكن التي يتجمع فيها كبار قريش، وقد نزل عليه قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ.. ﴾ وكان يقرأ الآيات حتى
بلغ قوله ـ تعالى ـ : ﴿ أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ (19) وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ (20) ﴾ وكان ـ حسب الرواية ـ يتمنى أن يقول شيئًا يُرضي قومه فيؤمنون به؛ فألقى الشيطان على لسانه فقرأ: ((تلك الغرانيق العلى وإنَّ شفاعتهن لتُرجى)).
فلما سمعت قريش أنَّ محمدًا يذكر آلهتهم بخير فرحوا وبعد أن انتهى من القراءة سجد النبي فسجدوا معه فرحًا بعد أن أشاد بآلهتهم!!
وقد جاءت الرواية بأكثر من صيغة مما يُثبت بُطلانها..
وهنا نذكر أدلة من القرءان الكريم تُثبت أنَّ الرواية باطلة:
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ (3) إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ (9) فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ (10) ﴾ سورة النجم.
قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ﴾ يُبين لنا أنه يستحيل أن تحدث تلك الرواية؛ لأن بلاغة لفظ: (ما) هي أنها تنفي ما يزعمون نفيًا كاملًا في كل الأزمنة؛ فلا يُمكن أن يقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ شيئًا يُخالف القرءان.
والمعنى كما نتبينه من الآيات هو:
أنَّ الرسول ما ضل عن العلم الحق الذي أُوحي إليه؛ بل بلغه للناس كما هو دون اختلاف.
والدليل على ذلك قول الله ـ تعالى ـ :
﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ (3) إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ (4) ﴾.
لقد جاء لفظ: (ما) مرة أخرى في ذات الآيات؛ ليُؤكد لنا أنه يُبلغ الوحي كما أُنزل عليه لا يضل عنه.
وبالتالي: لا يُمكن أن تتداخل عليه الأمور وهو يقرأ القرءان
فيقول: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتُرجى)؟!
لماذا؟
لأن الله ـ عز وجل ـ هو من تكفل بذلك، حيث عصم الرسول من الخطأ حين يُبلغ الرسالة عن ربه كما نتبين من قوله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ (16) إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ (17) فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ (19) ﴾ سورة القيامة.
هذا يُبين لنا أنَّ جمع القرءان هو بتوفيق الله، وقراءته كذلك هي من عند الله؛ وبالتالي: لا يُخطئ الرسول حين يقرأ القرءان.
بل وبيانه للناس هو من عند الله؛ فليس للرسول أي احتمال للخطئ وهو يُرتب آيات القرءان، أو يقرأها، أو يُبينها للناس؛ لأن كل ذلك تم بتدبير إلهي لا مجال فيه للخطأ البشري، أو النسيان.
وما المُراد بقول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (52) ﴾ سورة الحج؟
الله ـ عزو جل ـ يُحكم آياته فلا يُكون إلَّا الحق هو ما يُوحى إلي الرسول؛ فيقرأه على الناس.
ولو كانت لديه أُمنية ألقى فيها الشيطان ﴿ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ ﴾ فإني أراها أُمنية
ظنية لدى الرسول لا يعلم حُكمها بعد؛ فإن الله ينسخ ما يُلقي الشيطان ﴿ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ﴾ فلا يكون إلَّا الحق ﴿ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ﴾ فلا يقول الرسول إلَّا الحق من ربه بعد أن عَلِمه من الوحي، بعد أن كان يجهله من قبل.
ومن أمثلة ذلك:
ما جاء في سورة هود، في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (42) قَالَ سََٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ (43) ﴾.
نوح ـ عليه السلام ـ أُمنيته أن يركب ابنه معهم ظنًا أنه من أهله (وهذا ما ألقاه الشيطان في أُمنية سيدنا نوح) فقال مناديًا عليه: ﴿ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾ سيدنا نوح كانت لديه أُمنية أن يركب ابنه معهم السفينة لينجو، ولكن ألقى الشيطان فيها ما لا يتوافق مع علم الله،
وسُنته، وحكمه؛ حين نادى نوح ربه قائلًا: ﴿ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ﴾ من الآية (45) فظن أنه من أهله، وأنه من الناجين (كما وعده الله ـ تعالى ـ ) فكان ذلك مما ألقى الشيطان في أُمنية سيدنا نوح: أنَّ ابنه من أهله، وسينجو!
ماذا نستنبط من ذلك؟
تمنى نوح ـ عليه السلام ـ ما ليس بحق، ما يُخالف سُنة الله وعلمه وحكمه؛ ذلك حين ظن أنَّ ابنه الذي أشرك بالله هو من أهله، ولكن نسي سيدنا
نوح أنَّ عقاب الله قد جاء على من يستحقه؛ لذلك قال له الله الذي أحكم آياته بعلمه وهو أحكم الحاكمين وهو يعلمه: ﴿ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسَۡٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ (46) ﴾.
هنا الله يُعلمه، ويُعلمنا الحق، ويُخبره أنَّ ما تمناه ليس له به علم، وأنه ليس بحق؛ فكان مُجرد أُمنية لا تتوافق مع علم الله الحق.
لذلك قال نوح ـ عليه السلام ـ : ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسَۡٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (47) ﴾
سيدنا نوح تمنى شيئًا بمشاعر الأب، ولم يتمنَ عبادة الأصنام؛ فهذا غير ذلك.
نوح ـ عليه السلام ـ من أُمنيته جعله الشيطان يتمنى ما ليس له به علم، وينسى أنه من نجا هو ومن آمن معه من قبل، وركب السفينة قبل أن يأتي عقاب الله.
وأنَّ من لم يركب السفينة وجاء العقاب؛ لن يُؤمن، وأنه من الكافرين؛ لذلك حذره الله من أن يكون من الجاهلين حين يسأله ما ليس له به علم؛ فأمرُ الله ـ تعالى ـ قد جاء وهو أحكم الحاكمين؛ فاستغفر سيدنا نوح ربه لأنه سأله مال ليس له به علم.
إذًا الأُمنية هي أن يتمنى ما ليس له به علم، ولكن دون أن يتعمد مُخالفة أمر الله وحكمه، وسُنته، ولا مُخالفة الإيمان به.
فسيدنا نوح لم يعلم أنَّ ابنه ليس من أهله؛ أي ليس من أهل الإيمان بالله، ونسي أنَّ العقاب إذا جاء فإنه يأتي بالحق على من يستحق العقاب؛ فلا تُقبل توبة الإنسان حينها.
وبالعودة إلى رواية الغرانيق التي طعنوا بها في القرءان:
ما تبيناه يُبطل الرواية التي افتراها البعض على الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنها كانت تمس وحدانية الخالق، وهذا لا يُمكن أن يكون أُمنية من الرسول الذي يعلم أنه لا شريك مع الله، وأنَّ الأصنام لا تُقرب الناس زلفتًا من الحق ـ سبحانه وتعالى ـ .
ربما تمنى الرسول أن يهدي من أحبب؛ فقال له الله ـ تعالى ـ ليُعلمه، ويُعلمنا: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ
بِٱلۡمُهۡتَدِينَ (56) ﴾ سورة القصص؛ نعم تلك كانت أُمنية من الرسول ولكنها لم تتوافق مع علم الله؛ فعلمه اللهُ ـ تعالى ـ الحق: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ (56) ﴾.
نعم، الله ـ عز وجل ـ أعلم من سيدنا محمد بالمهتدن؛ فالهداية ليست بتمني هداية من يُحب (هذا يُخالف سنة الله وعلمه وحكمه) ولكن الهداية تكون بمشيئة الله؛ لأن الله ـ تعالى ـ هو أعلم بالمهتدين ﴿ إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ (56) ﴾.
رواية الغرانيق التي افتروا بها على الرسول نتبين عدم صحتها من بلاغة القرءان:
﴿ أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ (19) وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ (20) ﴾ لا يُمكن أن يأتي بعده ذِكر لآلهة قريش بخير؛ فكل الآيات التي تبيناها تنفي ذلك؛ ومنها قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ (39) إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ (40) وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوۡلِ
كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (43) وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ (47) وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) ﴾.
لفظ: (ما) الذي ينفي نفيًا كاملًا يُثبت لنا أنه لم يحدث خطأ من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو يُبلغ الرسالة عن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لأن
الشرك، وعبادة الأصنام، وأن يتخذها الناس لتُقربهم من الله زلفتًا؛ لا يُمكن أن تكون من أمنيات الرسول، ولا يُمكن أن يُخطئ الرسول في إبلاغ الناس رسالة ربه.



