قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4) ﴾ سورة الإخلاص.
كلما تدبرنا القرءان ظهرت لنا مُعجزاته التي يتبين للناس منها أنه ليس كلام بشر..
تتعدد أدوات النفي في اللسان العربي، مثل: (لم، لن، لا، ليس، ما..).
وتأتي كل أداة منهم في القرءان في موضعها بإحكام بالغ الدقة والكمال.
وهنا نطرح السؤال: لماذا جاءت أداة النفي: (لم) في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ ﴾ من بين كل الأدوات الأخرى؟
لماذا كان النفي في الماضي؟
لو كان كلام بشر لاختل القول، وربما وجدوا أنَّ أداة النفي: (لم) ليست هي المُعبرة؛ لأنهم سيظنون أنها تنفي الماضي فقط!
لكن حين نتبين الحق من بلاغة القرءان، وكمال ألفاظه، ودقة مواضعها نجد أنَّ النفي لا يكون هنا إلَّا ب: (لم).
وكيف ذلك؟
حين ينفي الله وجود من هو مثله بقوله: ﴿ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ ﴾ أجد أنَّ ذلك هو القول البليغ، والبيان المعجز: النفي في الماضي..
وماذا عن الحاضر والمستقبل، لماذا لم تأتِ أدواة أخرى تنفي الحاضر والمستقبل؟
لأنه لو كان مع الله إلها آخر، أو من هو يماثله في قوته؛ لأعلن عن نفسه، ولن ينتظر الحاضر، أو المستقبل.
والدليل من القرءان:
﴿ قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا (42) ﴾ سورة الإسراء؛ لاحظوا لفظ: (كان) الذي جاء في الماضي، وقول الله: ﴿ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ﴾ لكان كل شئ قد حدث في اللازمن، ولن ينتظروا مرور الزمن.
﴿ لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) ﴾ سورة الأنبياء؛ لفظ: (كان) جاء في الماضي، وكذلك قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ لَفَسَدَتَا ﴾ جاء في الماضي.
لذلك فإن نفي الألوهية عن غير الله، أو نفي وجود من يماثله في قوته إذا جاء في الماضي؛ فإنه يعني أنه نفي كذلك للحاضر والمستقبل؛ وهذا من بلاغة القرءان؛ فمن لم يظهر في الماضي؛ لن يظهر في المستقبل.
إذًا نفي الألوهية عن غير الله، ونفي وجود من يُماثله ـ سبحانه وتعالى ـ في الماضي يعني نفيها في كل الأزمنة نفيًا كاملًا.
لذلك أدت أداة النفي: (لم) البلاغة البيانية بشكل كامل، ومعناها: إذا لم يكن مع الله من يُماثله في القوة في الماضي؛ فلن يكن له كذلك من يُماثله في قوته سواء في الحاضر، أو المستقبل.
وكذلك من يغترون بقوتهم، ويظنون أنهم قادرون على كل شئ؛ لا يخرجون عن قدر الله:
﴿ فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بَِٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ (15) ﴾ سورة فصلت.
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ (24) ﴾ سورة يونس.
﴿ وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ (18) ﴾ سورة الأنعام.
لذلك قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ ﴾ هو قول بالغ الدقة والإحكام.


