البعض في السنين الأخيرة أنكر الصلاة الحركية من قيام وركوع وسجود..
وقالوا: إنَّ الصلاة هي صلاة نفسية، والسجود هو سجود بمعنى الاستسلام لله، وطاعته، ولا يعني سجودًا ماديًا على جبهة الإنسان!
سنرد قولهم هذا من خلال بلاغة الآيات في القرءان التي تُؤكد وجود السجود المادي.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ﴾ من الآية (29) سورة الفتح.
قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ﴾ احتوى ألفاظ: (سيماهم، وجوههم، أثر، السجود).
ماذا نتبين من ذلك؟
سيمة غير صفة وهي تختلف كذلك عن العلامة.
لماذا؟
لأن الصفة تكون في النفس (معنوية) مثل: صفة الكرم؛ فنحن لا نرى صفة الكرم لأنها في النفس، ولكن نرى آثارها، مثل: التبرع لبناء مُستشفى، أو مدرسة، أو الصدقات التي تذهب للمحتاجين.
ومن أمثلة الصفات: صفة الرحمة؛ فنحن لا نرى صفة الرحمة ذاتها، ولكن نرى آثارها: ﴿ فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (50) ﴾ سورة الروم.
قال الحق: ﴿ فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ ﴾ ولم يقل: (فانظر إلى رحمة الله) وهذا من بلاغة القرءان ودقة ألفاظه.
ثم جاءت الآية بأشياء مادية هي من آثار رحمة الله، نراها وهي:
﴿ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ ﴾ إحياء الأرض من آثار رحمة الله وهي تشمل: نزول المطر، وخُروج النبات من الأرض، واختلاف أشكاله؛ كل هذا من آثار رحمة الله، وكُلها آثار مادية.
ولماذا سيمة ليست هي علامة؟
لأن علامة تُطلق على ما هو مادي في الطبيعة وليست على الإنسان: ﴿ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ (15) وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ (16) ﴾ سورة النحل؛ ليعلم منها الإنسان طريقًا مثل: البَر مثلًا.
ولكن حين وصف الله ـ تعالى ـ شيئًا تكون على وجه الإنسان، وكان ذلك الشئ نتيجة لفعل الإنسان نفسه؛ جاء الوصف بلفظ: (سيماهم):
﴿ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ﴾ لأن السيمة أصبحت جزءًا من هيئة الإنسان، وهو السبب في وجودها.
إذًا (سيمة) لا تُطلق على الجبال والنجوم؛ إنما تُطلق على الإنسان حيث تُميزه بشئ فيه، وكان من فعله، مثل: أثر السجود الذي تكون في وجه الإنسان من فعل سجوده على الأرض.
السيمة هي شئ مادي يُميز الإنسان وتتكون نتيجة فعله..
وهل من أدلة على أنَّ السمة تكون مادية؟
نعم، ومن تلك الأدلة من كتاب الله:
﴿ وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ (30) ﴾ سورة محمد.
فالمعرفة حتمًا تكون لأشياء مادية، ولذلك ذكرت الآية لفظي: (لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ، لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِ) لأن الرؤية تكون لما هو مادي ومنها لحن القول لأنه حروف وصوت مادي يؤثر على الأذن.
وفي ذات الآية الكريمة ما يدل على أنَّ المعرفة تكون لشئ مادي:
﴿ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ ﴾ فلحن القول صوت مادي؛ لذلك المعرفة تكون لما هو مادي: ﴿ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ ﴾ لم يقل ـ سبحانه وتعالى ـ ولتعلمنهم في لحن القول) لأن العلم بالنسبة للإنسان يكون دون رؤية الشئ ذاته ولكن العلم بوجوده؛ فإذا رءا الشئ ـ ذاته ـ هنا يكون انتقل من مرحلة العلم بوجود الشئ لمرحلة المعرفة به (لأنه رءاه بالفعل).
مثلًا: قد يعلم الإنسان بوجود مدينة ما لم يرَها من قبل؛ وحين يذهب إليها ويراها بالعين يكون هنا قد عرفها (انتقل من مرحلة العلم لمرحلة المعرفة).
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ (46) ﴾ سورة الأعراف.
أشياء مادية تُميزهم؛ لذلك جاء معها لفظ: (يعرفون) وليس يعلمون لأنهم يرونهم بالأعين.
والأثر هو ما تركه فعلُ سجودهم حين كانوا يسجدون على جباههم على الأرض في صلواتهم.
فمن سجودهم على الجباه على الأرض تكونت سيماهم.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بَِٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15) ﴾ سورة السجدة.
لفظ: (خروا) هو دليل آخر على السجود المادي لأن من خروا سجدا انتقلوا من الأعلى إلى السجود على الأرض.
لفظ: (خروا) دل على حركة مادية؛ كما نتبين من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ (26) ﴾ سورة النحل.
لماذا: ﴿ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ ﴾؟
لأنها دليل على أنَّ السقف خر من الأعلى إلى الأسفل دون مُقاومة.
ولفظ: (خر) تدل على ما هو مادي.
إذًا قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ ﴾ دل على السجود المادي الذي يعني أنَّ الإنسان سجد على جبهته على الأرض دون أن يستكبر، أو يتردد في السجود لله ـ عز وجل ـ .
وفي النهاية:
المعرفة تكون مادية برؤية الشئ، وهي بهذا تلي العلم؛ أي تلي العلم بوجود ذلك الشئ.
والأثر يكون ماديًا نراه بالأعين، أو بالحواس.
وبالتالي: السمات تكون مادية لأنها من الأثر الذي ينتج من فعل الشئ الذي نراه بالأعين، ومن الآثار ما نراه بالحواس الأخرى.
إذًا (سيماهم) في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ﴾ دلت على شئ مادي في وجوههم تكون من أثر السجود؛ ذلك لأن السمات تكون مادية.
وهذا دليل من القرءان على أنَّ السجود ليس فقط نفسي، ولكن هو مادي يدل على سجود الإنسان على جبهته لله ـ عز وجل ـ دون أن يستكبر: ﴿ إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بَِٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15) ﴾.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ (107) وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا (108) وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ (109) ﴾ سورة الإسراء.
إنَّ في الآية الكريمة دليل على السجود المادي حيث جاء لفظ يدل على الإنتقال المكاني، أو المادي حين يسجدون على أذقانهم.
وهنا لا نحتاج لدليل على معنى الأذقان الذي نتبينه من قول الحق:
﴿ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ﴾.
وقد نقش المصريون القدماء مشهدًا لمجموعة يسجدون على أذقانهم.
وكذلك نقشوا مجموعة من الناس وهم يغسلون أيديهم ووجوههم.. كما نفعل الآن في الوضوء.
علمًا بأن المصريين القدماء كانوا مُوحدين، وليس كما أشاع البعض عنهم: أنهم كانوا يعبدون آلهة من دون الله مثل إله الشمس.
أو أنَّ فرعون كان من ملوك مصر القديمة، أجبر الناس على عبادته.
ثم قالوا: فرعون هو رمسيس الثاني؟!
لكن قولهم لم يُصِب الحق لأسباب كثيرة منها:
أولًا:
لأن فرعون اسم علم، وليس لقبًا للملك كما نتبين من القرءان الكريم: ﴿ ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بَِٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (104) ﴾ سورة الأعراف.
لا يُمكن أن يكون القول: (إلى ملك)؟!
لماذا؟
لو كان فرعون هو لقب الحاكم؛ لجاء القول: (إلى الملك) لأنه ملك مُحدد؛ ولأنه مُحدد سيأتي معرفة.
ولا يُمكن أن يقول موسى ـ عليه السلام ـ : (يا ملك)؟!
فلو كان فرعون هو لقب الحاكم لقال: (يا أيها الفرعون) لأنه يُخاطب ملكًا مُحددًا من بين الملك.
ومن الأدلة الأخرى على أنَّ فرعون اسم علم وليس لقبًا للحاكم أنه تم ذِكره مع أسماء علم لمجموعة من الناس، وليس مع ألقابهم: ﴿ وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ (38) وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ (39) ﴾ سورة العنكبوت.
لا شك أنَّ عاد، وثمود اسمي علم، وكذلك قارون، وهامان اسمي علم.
فكيف تكون أسماء علم، ويأتي معها لقب لحاكم؟!
كأن القول: عاد، وثمود، وقارون، وملك، وهامان؟!
لقد جاء اسم الإنسان فرعون (الاسم العلم) وليس لقبه؛ لأن هذا هو ما يُناسب الأحداث.
كذلك من الأدلة الأخرى أنه ستم ذكره يوم القيامة باسمه وليس بلقبه: ﴿ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ (46) ﴾ سورة غافر.
لا يُمكن أن يأتي القول يوم القيامة للملائكة: (أدخلوا آل ملك) لأنه لا ينادى على إنسان يوم القيامة إلَّا باسمه وليس بلقبه.
ثانيا:
لأن آثار رمسيس الثاني باقية حتى الآن أما ما صنع فرعون فقد تم تدميره حسب ما نتبين من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ﴾ من الآية (137) سورة الأعراف.
ممن كان فرعون؟
يُرجح بقوة أنَّ فرعون كان من ملوك الهكسوس؛ لأنه كان في ذات الفترة التي حكم فيها الهكسوس جزءًا من أرض مصر.
(الهكسوس هو الوصف الإغريقي للحكام الرعاة).
كذلك هناك توافقًا بين ما تميز به الهكسوس وفرعون منها:
ـ الهكسوس غلبت عليهم عبادة الأصنام..
ـ كان لديهم عبيدًا.
ومن الأدلة التي تُؤكد أنَّ فرعون كان من الهكسوس أنه كان يصنع آثاره من الطين: ﴿ وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (38) ﴾ سورة القصص.
ومن العبث القول: إنها الأهرام، والأهرام من الصخور، بناء هندسي مُعجز، وليست بناءً عشوائيًا.
كما أنَّ الأهرام تم بنائها قبل سيدنا إبراهيم بآلاف السنين؛ فكيف يقولون: بناها فرعون في زمن سيدنا موسى؟!
نعم، كان المصريون القدماء يعبدون الله، ويُصلون كما نُصلي صلاة حركية من: قيام، ورُكوع، وسُجود..
فالصلاة الحركية التي فيها السجود المادي كُتبت علينا كما كُتبت على من سبقونا من الأمم.
فهي من الشعائر التي أقامها كل النبيين والرسل قبل أن يُنَزَّلَ القرءان الكريم.



