A peaceful mosque interior featuring a backlit window, rehal stand, and intricate architecture.

هل اللهجات العربية دقيقة في كل دلالات ألفاظها كما أنَّ القرءان دقيق في كل دلالات ألفاظه؟

بالتأكيد لا، وقد ضربنا الأمثال على ذلك من قبل وتبين لنا من بعدها أنَّ دلالة اللفظ في اللهجات العربية التي تم سبكها على مفهوم بشر؛ لا يُمكن أن تكون (في كثير من الأحيان) مثل دقة وكمال دلالة اللفظ كما هي في القرءان الكريم، بل في بعض الحالات يأخذ اللفظ دلالة لفظ آخر تغير مراد الآية أو تصنع آراءً مختلفة حول الآية الواحدة.

ومن أمثلة ذلك ما ذَكرناه من قبل حين فرقنا بين لفظي: (الطود والجبل) وبينَّا حينها دقة القرءان وبلاغة ألفاظه في مجيء الطود في قول الله تعالى: ﴿ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ (63) ﴾ سورة الشعراء.

نعم، من البلاغة الرائعة أنه لم يأتِ الجبل لأن هذا ليس سياقه الذي يُعبر عما حدث لماء البحر.. فما حدث للماء أنه ارتفع فوق سطح الأرض ولكن لم يخترق سطحها، فلم يكُن كالجبال التي هي أوتادًا ذلك من دقة الوصف في القرءان.

ومن أمثلة الخلط بين الألفاظ كذلك ودلالاتها ما تبيناه (في موضوع سابق) عن غرق فرعون ثم نجاة بدنه، وقد أحدث الخلط بين الجسم والبدن والجسد شكًا لدى البعض حول غرق فرعون وموته.

 وتبين لنا كيف كانت بلاغة القرءان رائعة حين عبر عن موت فرعون بلفظ: (البدن) وليس الجسم أو الجسد، لأن البدن هو الجسم بعد موته، أما الجسد فهو الذي لا يأكل الطعام كالتمثال.

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ ﴾ من الآية (92) سورة يونس.

ومما نستنبطه من تدبر الآيات والبلاغة المتفردة لألفاظ القرءان التي تعلو فوق كلام العرب وبلاغتهم، والتي تجعل للقرءان نظامه الخاص وعلوه بالغ الكمال، ما نتبين منه أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يتم سحره، ولم يمت بأثر السم:

وإني أجد بلاغة القرءان قد تجلت حين فرقت ببراعة وإحكام بين لفظي: (الضرر والأذى):

في دلالة لفظ: (الضرر) ودلالة لفظ: (يعصمك) ما يُبين لنا الحق، ويرد القول الظني الذي جاء فيه: النبي مات بأثر السم، وكذلك يرد القول: إنه سُحر..

وكيف نتبين ذلك من بلاغة القرءان الكريم، وهل يمكن أن يكون ذلك هو القول الفصل في هاتين الروايتين؟

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا (113) ﴾ سورة النساء.

﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ ﴾ تعني (حسب بلاغة القرءان) أنَّ الضرر هو: (الأمر المادي)، وهذا لم يقع في حق النبي عليه الصلاة والسلام.

وما هو الدليل على أنَّ الضرر هو الأمر المادي؟

بشكل موجز:

أُريد منك أن تتبين بلاغة القرءان الكريم وألفاظه، وكيف يُفرق القرءان بين الألفاظ بدقة كاملة تنقل لنا القول بتوافق لا اختلاف فيه ولا نقص ولا عيب.. الأمر الذي يمكننا بإذن الله من استنباط دلالة اللفظ ومعجزة البيان في آياته التي ليست كبيان قول العرب.

نعلم أنَّ من الناس من يُشركون بالله، ومنهم من يفترون عليه الكذب، بل ومنهم من يسبون الله تعالى عدوًا؟! ويسخرون من آياته ولكن هل من الناس من يمكن أن يُؤثر في الخالق تأثيرًا ماديًا، أو يُزيل مثلًا السموات والأرض، أو يُغير حركة الشمس والقمر؟!

بالتأكيد لا لأن الله ليس مخلوقًا بل هو الخالق الذي ليس كمثله شيء.

هل فكرت كيف وصف القرءان ذلك؟

لقد وصفه بالضرر الذي لا يمكن أن يقع في حق الخالق: ﴿ وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗاۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) ﴾ سورة آل عمران.

وهذا حق لا نُماري فيه فليس هناك من يُمكن أنَّ يضر الله تعالى ماديًا، وقد توافق ذلك مع وصف الضرر: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗاۗ ﴾ إذًا الضرر حسب بلاغة القرءان ما هو مادي وليس معنويًا.

ولكن نعلم أنَّ من الناس من يُشركون بالله، ومنهم من يفترون عليه الكذب، بل ومنهم من يسبون الله تعالى عدوًا؟!

هل فكرت كيف وصف القرءان ذلك؟

لتكتمل بلاغة الآيات في بحثنا نقول: ما هو اللفظ الذي أثبت الله أنه يقع في حق نفسه؟

نتبينه من قوله سبحانه وتعالى: ﴿  إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا (57) ﴾ سورة الأحزاب.  

إذًا هو الأذى، الله نفى الضرر ولكن أثبت وجود من يُؤذون الله فهناك من يُؤذي الله تعالى بالقول مثل: من يستهزئون بآيات الله أو يسبون الخالق عدوًا، أو يفترون عليه الكذب أو يُشركون به، إذًا الأذى حتمًا هو أمر معنوي لاستحالة وقوع الضرر (المادي) في حق الخالق.

وكذلك بين لنا القرءان أنَّ من الناس من يؤذون الرسول عليه الصلاة والسلام، مثل: من يسبون الرسول، ويفترون عليه الكذب، ويسخرون منه، كل ذلك أذى (أمر معنوي) وليس ضررًا (ماديًا).

ولأن الأذى يكون معنويًا فإنه يكون بالقول: ﴿ وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ (61) ﴾ سورة التوبة.

إذًا ما وقع في حق الرسول حتى بعد موته هو أذى (الأمر المعنوي) الذي يكون بالقول، وقد أثبت الله أن الأذى يقع في حقه وحق رسوله.

إذًا تبين لنا من خلال دقة القرءان وتفصيل آياته أنَّ الضرر (الأمر المادي) لم يقع في حق الرسول ولكن الذي وقع في حقه هو الأذى (الأمر المعنوي).

ويتوافق هذا مع قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (67) ﴾ سورة المائدة.

نعم، هذا يتوافق مع قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ ﴾ ليُثبتا لنا أنَّ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يضره أحد.

والنفي باستخدام لفظ: (ما) يعني نفي وقوع الضرر بحق النبي في الماضي، والحاضر، والمستقبل.

ونُؤكد معنى العصمة كما جاءت في القرءان: ﴿ قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ (43) ﴾ سورة هود.  

في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَعۡصِمُنِي ﴾ يعني أنَّ الماء لن يصل إليه؛ وبالتالي: الجبل سيحفظه من الغرق؛ هكذا ظن ابن سيدنا نوح.

وفي قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (10) ﴾ سورة الممتحنة.

عصمة الله للنبي ليست قاصرة على وقت تبليغ الرسالة كما يظن البعض؛ بل هي عصمة مستمرة طوال حياة النبي: ﴿ يَعۡصِمُكَ ﴾ لن تتوقف حتى بعد انتهاء الوحي؛ وتعني أنه لن ينال منه أحد لا بالسم، ولا بالسحر، والدليل قول الحق: ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ ﴾.

ولأنه نبي ورسول يُبلغ الناس ما دام حيًا؛ فالعصمة لن تتوقف بعد اكتمال الوحي؛ لأنه عاش يُبلغ الناس طوال عمره.

ومن ضمن ما قِيل عن تعرضه للسم وللسحر: إنهما حدثا للنبي وهو مايزال يدعو الناس للإيمان، ويُجاهد في سبيل الله؟!

ونقول لهم: كيف والله يقول: ﴿ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ ﴾ ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ ﴾.

فعلينا أن نفرق بين دلالة: (الأذى) ودلالة: (الضرر) ليستقيم فقه الآيات، وعلينا أن نُدرك الآيات مع بعضها لئلا يحدث تعارض بينها. 

ماذا نتبين مما سبق؟

لأن الموت بالسم هو ضرر (أمر مادي) ولأنه يستحيل وقوع الضرر في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيستحيل موت النبي بأثر سُم.

وكذلك لأن السحر مادي ولأن المادي هو الضرر وقد نفى الله وقوع الضرر في حق النبي، فإنه يستحيل وجود من يُؤثر في النبي بالسحر.

في النهاية:

العودة لآيات القرءان وتدبرها، واستنباط دلالات ألفاظها من خلال بلاغة القرءان ذاتها (وليس من خارجها)، والتوافق المُعجز لآياته الكريمة وعدم تعارضها (لأنها تفصل بعضها) هو ما نتبين منه أنَّ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يمُت بأثر سُم؛ لأن أعداءه يستحيل أن يضروه (وإن حاولوا).

وكذلك الأمر في شأن السحر؛ لم يتعرض نبي الله للسحر على أيدي أعدائه (وإن سعوا لذلك سعيًا).

ومن الأدلة على توافق الآيات وفصيلها لبعضها وأنها محكمة في ذاتها ما يرد القول: إنَّ النبي سُحر من قبل أعدائه:

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا (47) ﴾ سورة الإسراء. الآية الكريمة تنفي أنَّ النبي تعرض للسحر نفيًا كاملًا، فبأي قول بعد هذا يُوقنون.

من بلاغة الآية:

﴿ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ ﴾ بدا أنهم منافقون، يقولون ويُؤكدون لمن يتبع الرسول ويستمع إليه ويتأثر بقوله: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ﴾ ذلك ليُشككوا المؤمنين في دينهم، وفي المنهج الرباني (القرءان الكريم) الذي يتلقونه من خلال رسول الله.

لكن الله تعالى يرد قولهم الباطل في حق النبي عليه الصلاة والسلام  بقوله: ﴿ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ﴾ وصفهم بأنهم ظالمون؛ أي لا يقولون الحق؛ وهذا يعني أنَّ النبي لم يُسحر أبدًا؛ ذلك ليطمئن المؤمنون، ومن يُريد أن يدخل الإسلام.

وبهذا تتوافق آيات القرءان كلها لتنفي عن النبي عليه الصلاة والسلام  وقوع الضرر (الأمر المادي) في حقه.

تلك براءة النبي من وقوع ضرر السحر في حقه نستنبطها من الآيات وكذلك من قول الحق: ﴿ نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا (47) ﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart