يظن بعض الناس أنَّ في مقدورهم أن يأتوا بمثل القرءان؛ بل من العجيب قول البعض: العرب يُمكنهم أن يأتوا بمثل القرءان، ولكن الله صرفهم عن ذلك!
والكثير من الناس يُؤمنون أنَّ القرءان مُعجز، لكن لا يتبيَّنون مُعجزاته التي تجعله ليس ككلام البشر.
إنَّ مُعجزات القرءان، لا تقتصر على الاكتشافات العلمية؛ بل به مُعجزات بيانية هي في كل ءاية من ءاياته، لا يُمكننا أن نتبيَّنها إلا بتدبر القرءان. وحين نستنبط تلك المعجزة؛ نُدرك أنَّها ليست ككلام البشر. وسأضرب على ذلك مثلاً ليُبيّن لنا أنَّ القرءان، هو: كلام الله المعجز الذي لا يُمكن للإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
من أمثلة ما يبدو للبعض أنَّه عادي، وفي مقدور الناس أن يأتوا بمثله؛ ما نستنبطه من قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا (١٤) ﴾ سورة الإسراء.
قد تبدو الآية للبعض مثل كلام البشر، لكن حين نتدبرها؛ يتبيَّن للناس أنَّها من قول الخالق الذي أحاط بكل شيء علمًا، وليست من قول البشر. هل تَفَكَّرنا: لِمَ قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ ﴾ ولم يقل: اتلُ كتابك؟ ذلك أراه من بلاغة البيان في الآية التي لا تُخالف بلاغة البيان في كل ءايات القرءان، وهو: أن يأتيَ كل لفظ في موضعه؛ بحيث لا يُمكن استبداله بلفظ ءاخر: (اقرأ لا يُمكن أن تكون: اتلُ).
لكن من زعموا: أنَّ القرءان كلام بشر، أو من زعموا: أنَّ العرب من أهل الفصاحة والبلاغة يُمكنهم أن يأتوا بمثل القرءان، لكن الله منعهم من ذلك! ربما قالوا: لا فرق بين: اقرأ كتابك، واتلُ كتابك!
لأنَّهم (ببشريتهم) لا يتمكنون من التفريق الدقيق بين اللفظين: (اقرأ، اتلُ)؛ فظنوا أنَّ القرءان لا يختلف عن كلام البشر! ولا شك أنَّ الناس لن يعلموا الفرق بين اللفظين؛ إلا بتدبر القرءان. إنَّ التفريق بين اللفظين، وتبيُّن معنى كل لفظ منهما؛ لا يكون إلا بتدبر القرءان، ولقد فرقت من قبل بين لفظي: القراءة والتلاوة.. وتبيَّن أنَّ: (القراءة) تعني قراءة الآيات كما هو ترتيبها في كتاب الله؛ أمَّا: (التلاوة) فهي: تلاوة الآيات التي تُبيّن للناس موضوعًا واحدًا ـ ذو وحدة واحدة ـ، مثل: تلاوة كل الآيات التي تُبيّن لنا خلق الإنسان، أو تلاوة الآيات التي تُحدثنا عن قوم نوح، أو تلاوة الآيات التي تُبيّن للناس ما حرمه الله؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ ﴾ من الآية (١٥١) سورة الأنعام، لقد جاء لفظ: اتلُ وليس اقرأ؛ وذلك من بلاغة القرءان من حيث الألفاظ والبيان فيه؛ لأنَّ الرسول سيأتي إليهم بالآيات التي تُبيّن لهم المحرمات فقط؛ ءايات تُحدثهم عن موضوع واحد؛ فيتلوها عليهم.
حين نتلو القرءان؛ فهذا يعني أنَّنا نأتي بالآيات التي تُبيّن الموضوع الذي نتحدث عنه، ونُريد أن نتبيَّن أو نُبيّن حُكمه للناس من القرءان.
لكن حين نقرأ سورة الفاتحة مثلاً، أو نقرأ من سورة البقرة حسب ترتيب ءاياتها؛ هنا نقول: نقرأ وليس نتلو؛ لأنَّنا نقرأُ الآيات كما هو ترتيبها في السورة.
وحين نقرأ فيجب أن نستمع وننصت كما أمرنا الله ـ تعالى ـ: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ (٢٠٤) ﴾ سورة الأعراف.
جاء: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾، وليس: إذا تُليَ القرءانُ؛ لأنَّ الآيات ستُقرأ حسب ترتيبها في كتاب الله؛ هذا ما نتبيَّنه من البلاغة البيانية في القرءان؛ التي جعلته ليس ككلام الإنس والجن.
ذلك هو الفرق بين: القراءة والتلاوة..
نعود إلى قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا (١٤) ﴾، والإجابة على السؤال الذي طرحناه بالأعلى.
لا شك أنَّ المجرم سيعلم كل ما في كتابه الذي نسخ كل أعماله في الحياة الدنيا؛ لذلك من بلاغة البيان في القرءان؛ قالت له الملائكة: ﴿ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ ﴾، وليس اتلُ كتابك؛ لأنَّه سيقرأ كل ما في كتابه دون أن ينتقص منه شيئًا؛ ليكون هو الحسيب على نفسه. والدليل على أنَّه قرأ كل ما في كتابه؛ قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) ﴾ سورة الكهف؛ ذلك دليل على أنَّ المجرمين يوم الحساب كل واحد منهم قرأ كتابه (كاملاً) فعلم كل ما فيه؛ لذلك جاء القول: ﴿ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ ﴾.
ولو قيل له: اتلُ كتابك؛ لكان في ذلك اختلافًا لا يكون أبدًا في كتاب الله؛ لأنَّ ذلك سيعني أنَّه سيتلو بعضًا مِمَّا عَمِلَهُ في الحياة الدنيا، وليس كل أعماله، ولكن الحق، هو: أنَّه سيعلم كل ما عَمِلَهُ؛ ليكون على نفسه حسيبًا، ويستيقن أنَّ الله ـ تعالى ـ لم يظلمه؛ فجاء القول الحق: ﴿ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا (١٤) ﴾ وليس اتلُ كتابك.
قال الله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (٨٢) ﴾ سورة النساء.
إنَّ التفريق المُحكم الذي نتبيَّنُه من الآيات؛ يحتاج إلى أن نتدبر القرءان، دون أن نغير ما فيه من ألفاظ وبيان، ودون أن نغير معانيهما التي أرادها الله ـ سبحانه وتعالى ـ بما هو خارج القرءان مِمَّا في اللهجات العربية؛ التي تختلف معاني بعض ألفاظها، أو بلاغتها عمَّا في القرءان.
ذلك لنرد على من ظنوا أنَّ القرءان كلام بشر غير مُعجز!
وفي ذات الوقت لنصوب قول من ظنوا أنَّ من الناس من يُمكنهم أن يقولوا مثل القرءان، ولكن الله منعهم!
بل لا يستطيعون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرًا (٨٨) ﴾ سورة الإسراء.
والله أعلم.



