﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾﴿ فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ ﴾﴿ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ﴾.
كل تلك الألفاظ لهي من الأدلة على وجود الصلاة الحركية من قيام وركوع وسجود..
﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ ذكرت الآية لفظ القيام، وأنه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو من سيُقيم لهم الصلاة..
إذًا هذه الصلاة ليست صلاة نفسية (غير حركية) كما يزعم البعض ممن يُنكرون الصلاة الحركية من قيام، وركوع، وسجود.
﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾ جاء لفظ: (السجود) وسُبق بلفظ: (إذا) الذي جاء بعد إقامة الصلاة؛ ليدل على مرور الزمن في الصلاة ووجود هيئات حركية فيها.
وبين ذلك أنَّ السجود هو سجود مادي من خلال حركة المصلي، والدليل على أنه سجود مادي أن الساجد لا يرى ما وراءه: ﴿ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾.
ما هي البلاغة البيانية في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾ التي قد لا يتوقف عندها الإنسان؟
هل تعني من خلفهم فقط؟
هنا نتوقف عند بلاغة الآية الكريمة؛ لأن من الناس من يفهم لفظ: (من ورائكم) بمعنى من خلفكم.
وهذا ليس بالمُراد الحق؛ لأن السجود لا يحجب الرُؤية من الخلف فقط؛ بل ومن الأمام، وكذلك من الجوانب.
وهل من فرق بين لفظي: (وراء، وخلف)؟
نعم، فكل ما لا يراه الإنسان يتم وصفه بلفظ: (وراء) وليس خلف.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ (7) ﴾ سورة المؤمنون، ليس المُراد بها (خلف) المكانية، ولكن ما لم يُحل له.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا (27) ﴾ سورة الإنسان، ليس المراد بها خلفهم من المكان، ولكن (وراءهم) من الشئ الذي لا يُدركونه في تلك اللحظة وهو يوم القيامة. قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ (19) وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ (20) ﴾ سورة البروج، بالتأكيد لا تعني خلف المكانية.
وماذا عن خلف؟
تعني خلف من حيث المكان، وخلف من حيث الزمن (الماضي) وكذلك ما عمله الإنسان، أو علمه؛ ثم مر عليه الزمن فأصبح من الماضي.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ ﴾ من الآية (255) سورة البقرة.
﴿ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِم ﴾ أي يعلم ما يعملوه الآن، وما في علمهم في تلك اللحظة، ﴿ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ ﴾ ما جاءهم ومر عليه زمن فأصبح من الماضي.
إذًا ﴿ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾ دلت على كل ما لا يره الإنسان، وليس ما خلفه من حيث المكان.
وفي الآية الكريمة: ﴿ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾ قصدت حين يسجد الإنسان على الأرض فلا يرى، ولا يعلم كثيرًا مما يحدث حوله.
لأن المُصلي إذا سجد على الأرض؛ ليس فقط لا يرى ما خلفه من حيث المكان؛ بل كذلك لا يرى ما هو أمامه، وغيرها من الجوانب الأخرى التي يتعذر رؤيتها حين يسجد الإنسان على الأرض.
لذلك جاء القول البليغ: ﴿ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ ﴾ وليس: (من خلفكم).
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا (102) فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا (103) ﴾ سورة النساء.
الآيتان يدلان على الصلاة الحركية التي يكون فيها السجود المادي على الأرض الذي يتعذر معه الرؤية.
لذلك أمر الله ـ تعالى ـ طائفة منهم أن يأخذوا أسلحتهم ليحذروا من أن يعتدي عليهم عدوهم وهم ساجدون.
وقول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا (103) ﴾ أثبت الصلاة الحركية التي يتم إقامتها وقضائها.
وأثبتت أنَّ الذِكر لا يكون بالصلاة فقط، ولكن: ﴿ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ ﴾ فإذا اطمأنوا: ﴿ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ﴾.
وقول الحق: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ﴾ أثبت أنَّ للصلاة مواقيت مُحددة، وثابتة (لكل صلاة وقتها): (الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء).


