هل كل الأنفس أمارة بالسوء؟

ينتشر مفهوم خاطئ لدى كثير من الناس، وهو أنَّ كل الأنفس أمارة بالسوء حتى أنفس الأنبياء!

وقد استشهدوا بما جاء على لسان امرأة العزيز: ﴿ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ.. ﴾، فقالوا: طبيعة كل نفس أنها أمارة بالسوء! ولقد حاد قولهم هذا عما جاء في الآية الكريمة، ومن شأنه أن يُخالف مراد الآيات وبلاغة الألفاظ وكمال البيان.

ونسألهم: كيف تكون أنفس الأنبياء أمارة بالسوء وهم خير االبشر ، اصطفاهم الله بعلمه؟

لفظ أمارة على صيغة مبالغة حيث يدل على كثرة الأمر والالحاح والإصرار على فعله عليه، ومما لا شك فيه لا يجوز وصف الأنبياء بهذا، ولا الصديقين والصالحين ممن أخلصوا لربهم.

والقول اليقين الذي نستنبطه من الآية الكريمة: أنَّ القول كان يصف امرأة العزيز ومن مثلها من البشر إذ كانت تصر على المعصية.. ولا شك أنها بقولها هذا لم تعني أنَّ كل الأنفس أمارة بالسوء؛ والدليل على هذا أنها قالت: ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ ﴾، فكيف يقولون إن كل الأنفس أمارة بالسوء بما في ذلك أنفس الأنبياء؟ لقد اقتطعوا القول من سياقه حين لم يذكروا الاستثناء: ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴾؛ فنسبوا للآية ما ليس فيها!

ولنتبين خطأ قولهم، أقف عند الاختلاف النسبي بين اللفظين: (تأمر بالسوء) (أمارة بالسوء):

  • النفس التي تأمر بالسوء: هي التي تأمر صاحبها بفعل المعصية، ولكن دون أن تصر على فعلها فهي نفس تستحي من ربها وتخشاه، وهو الأمر الذي قد يجعلها ترجع عما تريد قبل أن تفعله وتستغفر الله تعالى.
  • أما لفظ (أمارة بالسوء): فهو صيغة مبالغة تدل على كثرة الأمر من قبل النفس بفعل المعصية، بل والإصرار على فعلها دون خوف من الله.

وهذا كان حال امرأة العزيز حيث فكرت في المعصية وسعت إليها، ولم تكتفِ بفشلها في المرة الأولى وتعود إلى صوابها، بل أصرت على فعل المعصية بالرغم من انكشاف أمرها: ﴿ يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ (٢٩) ﴾، وعلم الناس بأمرها: ﴿ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (٣٠) ﴾.

إنَّ النفس الأمارة بالسوء تعمي صاحبها عن الحق وهذا كان شأن امرأة العزيز إلى درجة أنها لم تلتفت إلى قول يوسف عليه السلام: ﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهۥُ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهۥُ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ إنه يُذكرها بالله والخوف من معصية وبعدم فلاح الظالمين لكنها لم تتأثر بما قاله وحاولت اللحاق به، بل وأصرت على فعل المعصية حتى بعد أن انكشف أمرها: ﴿ قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهۥُ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ (٣٢) ﴾.

لذلك قالت بعد توبتها وهي تبرئ سيدنا يوسف: ﴿ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ ﴾ فكان ذلك وصفًا لِمَا في نفسها هي إذ أصرت على فعل المعصية، وكان كذلك وصفًا لِمَا في كل نفسٍ أخرى مثل نفسها، تُصر على فعل المعصية، ولم تقصد كل الأنفس بلا استثناء والدليل على هذا أنها قالت: ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ (٥٣) ﴾؛ فالآية كما يتبين لنا لم تشمل كل الأنفس.

كانت الفحشاء أمام سيدنا يوسف ولكنه استعصم، ونجد حرف الفاء قد جاء ليدل على كمال الوصف الإلهي للحدث: ﴿ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ ﴾ حيث تدل الفاء على أنَّ سيدنا يوسف لم يفكر في الأمر ولم يتردد ولو لبعض الوقت، بل صدها مباشرة.. ولمَ لا وقد بلغ من الإيمان والإخلاص لله شأنًا عظيمًا؟ فقال لها: ﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهۥُ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهۥُ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ (٢٣) ﴾.

تلك هي أخلاق الأنبياء والصالحين، أصحاب الأنفس الطيبة الطاهرة فكيف يقول البعض: إنَّ كل الأنفس بلا استثناء أمارة بالسوء ولكن الله ينجي برحمته بعض الأنفس فلا تستجيب لهواها؟

النفس الأمارة بالسوء هي النفس التي تلح على صاحبها أن يفعل المعصية دون خوف من الله تعالى، وهذا بلا شك لا يجوز وصف النبيين والصالحين به، فهم أصحاب أنفس طيبة تعيش في خشوع للرحمن، يبكون من خشيته، تأمرهم أنفسهم دائمًا بتقوى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart