مفهوم العصمة من القرءان.
سنتبين من القرءان الكريم وبلاغته، أنَّ قول البعض: (إنَّ الله عصم النبيين من فعل الكبائر لدرجة أنهم لو أراد النبي فعل الكبائر يمنعه الله من فعلها)، قول خاطئ، يهين النبيين ويطعن في اصطفاء الله لهم.
وسنتبين عبر المقال أنَّ قولهم لم يرد به نصًا في القرءان، بل يُخالف الآيات والعقل والفطرة..
كيف يُخالف العقل، والفطرة؟
لو كان النبيون لا يفعلون الكبائر لأن الله تعالى هو من عصمهم من فعلها (ولو أرادوا أن يفعلوها) فكيف بحال الصالحين الذين لا يفعلون الكبائر وهم ليسوا نبيين مُعصومون من فعلها؟
القول: (ولو أرادوا فعلها) يعني أنهم سعوا لفعل الكبائر! وهذا محال في حق النبيين الذين اصطفاهم الله لأنهم خير البشر.
هل فكرت لماذا الصالحون لا يفعلون الكبائر؟
لشدة إيمانهم بالله وتقواهم لربهم، ولأن أنفسهم طيبة تكره عمل الكبائر والإفساد في الأرض.
نعم، من الناس من يكره قتل النفس بغير الحق، ومنهم من يكره أكل المال بالباطل، ويتحرى رزقه بالحلال، ولا يظلم الناس، ويكره شهادة الزور، أنفسهم تأبى أن تفعل ذلك، لأنهم يكرهون الفساد ويُحبون فعل الخير.
أنفس طيبة يتقون الله ربهم في كل أعمالهم، يرجون رضوانه، ويخشون غضبه.
فهل يعقل أن يكون الصالحون بتلك الدرجة من الإيمان والتقوى، ثم يأتي من يقول للناس: الله عصم النبيين من فعل الكبائر ويمنعهم من فعلها لو أرادوا أن يفعلوها؟ هذا تقليل من قدر النبيين، وطعن في اصطفاء الله لهم.
النفس الطيبة بفطرتها تأبى أن تفعل الكبائر، بل لا تفكر في فعلها، لا تفكر في أن تزني، أو تأكل المال بالباطل أو تظلم.. فما بالنا بالنبيين الذين هم أكثر الناس إيمانًا بربهم، وتقوى له، وخوفًا من غضبه؟
النبيون أعلى ما في الصالحين، لا يفعلون الكبائر بمحض إرادتهم، وليس لأن الله يمنعهم من فعلها.
إذًا ما هو مفهوم عصمة الأنبياء الذي جاء في القرءان؟
كان في شأن تبليغ الرسالة، وهو أنَّ النبي لا يُخطئ في تبليغها، ولا يستطيع أحد من الناس أن يضره وهو يبلغها، ونتبين ذلك من قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (67) ﴾ سورة المائدة.
لاحظوا بلاغة الآية: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ ﴾
الآية تتحدث عن الرسالة، وليست عن الكبائر، لأن النبي لا يفعل الكبائر بمحض إرادته فهو يُؤمن بالله، ويتقيه، ويكره الفساد.
فمن أين لكم أن العصمة تعني عصمة النبي من فعل الكبائر؟
﴿ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ ﴾ أي لا يستطيع أحد من الناس أن يضرك وأنت تبلغ الرسالة (هذا هو مفهوم العصمة من القرءان الكريم).
العصمة في شيئين:
ـ حين يبلغ الرسالة فلا يُخطئ في تبليغها (هذه عصمة من الله) لأنه رسول الله يُبلغ عن ربه.
ـ عصمة من الناس فلا يستطيع أحد منهم أن يضر النبي عليه الصلاة والسلام أو يمنعه من تبليغ الرسالة للناس. هذا يضعنا أمام المفهوم الحق من العصمة: إنها عصمة لا تجعل النبي يقع في أي خطأ وهو يُبلغ الرسالة عن ربه، ولا يستطيع أحد من الناس أن يضره وهو يبلغها، وبالتالي القول بأن الله عصم النبي والنبيين من فعل الكبائر والذنوب لا يتوفق مع الآيات ولا مع العقل.
هذا هو مفهوم العصمة كما نتبين من القرءان الكريم، وليس لها علاقة بفعل الكبائر فالنبيين ليسوا أقل من الصالحين الذين لم يعصمه الله من فعل الكبائر ومع هذا لا يفعلونها، لأنهم يتقون ربهم.
وماذا عن سيدنا يوسف حين راودته امرأة العزيز عن نفسه؟
يوسف عليه السلام نبي اصطفاه الله تعالى لأنه من الأخيار فكيف يفعل كبيرة الزنى كما قال البعض أنه منعه الله من الوقوع في الزنى قبل آخر لحظة؟ يوسف عليه السلام لم يرد المعصية، ولم يسعَ إليها، بل قاومها لأنه يتقي الله ويخاف غضبه، فهو صاحب نفس طيبة، وفطرة تأبى أن تُخالف أمر الله تعالى أو أن تفعل شيئًا ليس من حقهًا.
﴿ وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ (23) وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ (24) ﴾ سورة يوسف.
الآية تبرئه وتصفه بأنه من عباد الله المخلصين؛ فكيف يظن البعض أنَّ سيدنا يوسف (نبي الله) يُمكن أن يقع في فعل كبيرة الزنى وهو من الأخيار؟
يوسف عليه السلام ليس أقل من الإنسان الصالح الذي لم يصطفِه الله تعالى للنبوة ومع هذا لم يقع ذلك الإنسان في معصية الزنى ولم يسعَ إليها، بل ولم يُفكر في فعلها.
وماذا عن البرهان الذي رءاه؟
البرهان الذي رءاه يغلب أنه علم من عند الله أُوحي إليه قبل الحدث، أو تعلمه من نبي الله سيدنا يعقوب، هذا البرهان هو: أنَّ الزنى كان فاحشة وساء سبيلًا، والدليل قول الله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ﴾ لقد كان البرهان الذي رءاه سيدنا يوسف سببًا في أنه لم يقعَ في كبيرة الزنى.
الإنسان الذي يُخلص لربه يُعينه الله فينجيه ويلطف به.
وما الدليل على أنه لم يهم بها؟
الدليل هو قول الله تعالى: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦ﴾ لولا تعني أنه لم يهم بها، لأنه رءا برهان ربه وهو أنَّ الزنى كان فاحشة وساء سبيلًا. مجيء لفظ: (لو) في الآية الكريمة يعني أنه يستحيل أن يهم بها.
وماذا عن ذنوب الأنبياء؟
ليس كل ذنب معصية فمن الذنوب ما يفعله الإنسان بالخطأ دون قصد، أو تعمد، وقد يفعله لأنه لا يعلم أنه يُخالف سنة الله.
ويتم احتسابه ذنبًا لأنه خالف سنة الله ولكن يكون من الذنوب التي يغفرها الله تعالى لأن الإنسان لم يتعمد فعله.
والأمثلة على ذلك كثيرة في القرءان منها:
﴿ وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ (14) ﴾ سورة الشعراء.
موسى عليه السلام لم يقتل الرجل مُتعمدًا ولكن قتله بالخطأ.
فلماذا هو من الذنوب وقد قتله بالخطأ؟ لأنه خالف بفعله (ولو دون تعمد) سنة الله وأمره في ألَّا تُقتل نفس إلَّا بالحق.
وهل هذا يحتاج للمغفرة وهو ذنب غير مُتعمد؟
نعم والدليل قول الله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (16) ﴾ سورة القصص. وكذلك من الأدلة على أنه ذنب قول سيدنا موسى في وصف ما حدث: ﴿ وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ (14) ﴾.
إذًا هو ذنب (ولو كان غير مُتعمد) وغفره الله تعالى له، والدليل قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾.
ذنب لأنه خالف (ولو دون تعمد) سنة الله في تحريم قتل النفس إلَّا بالحق، ولكن من الذنوب التي يغفرها الله.
قال الله تعالى: ﴿ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ (21) إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ (22) إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ (24) فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مََٔابٖ (25) ﴾ سورة ص.
لماذا ذنب؟
لأنه خالف سنة الله حين لم يستمع للطرف الآخر، ولكن دون تعمد منه، وحين أدرك ذلك وتذكر، استغفر ربه: ﴿ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ ﴾ كان فتنة ليعلمه ربه ويعلمنا ألَّا نحكم للمتحدث قبل أن نستمع للطرف الآخر.
إذًا سيدنا داوود لم يرتكب معصية لأنه لم يتعمد معصية الله، لكن يُحسب ذلك ذنبًا لأنه خالف سنة الله (ولو كان دون تعمد).
وفي الختام:
يجب توقير الأنبياء الذين اصطفاهم الله من خير البشر، فهم الأخيار، وهم مثل غيرهم من الصالحين لا يفعلون الكبائر ولا يسعون لفعلها ولا يُفكرون فيها بمحض إرادتهم؛ لأنهم يتقون الله.
الصالحون ممن لم يتم اصطفاؤهم للرسالة لا يفعلون الكبائر بمحض إرادتهم، فمن باب أولى النبيون وهم خير البشر لا يفعلون الكبائر بمحض إرادتهم بإذن الله.
وعن الذنوب:
الذنب المُتعمد هو معصية وقد يغفره الله وقد لا يغفره.
أما الذنب الذي لا يتعمد الإنسان فعله أو يجهل أنه ذنب، ليس بمعصية وهذا من الذنوب التي يغفره الله تعالى.


