يُخلط الكثير من الناس بين: (القراءة والتلاوة والترتيل) في تعبيراتهم، بسبب التشابه الشديد بينها، لكن حين نتدبر الآيات يتبين لنا أنَّ لكل لفظ منها دلالته الخاصة به التي تُظهر لنا بلاغة القرءان الفائقة في اختيار كل لفظ في موضعه بدقة بالغة.
وبسبب شدة التشابه بين الألفاظ الثلاثة نكاد لا نجد وسيلة للتفريق بينها من خارج القرءان، نعم، فقط من خلال تدبر الآيات التي احتوت على: القراءة والتلاوة والترتيل، يمكن أن نستنبط دلالة كل لفظ منها، حينئذ يتبيَّن لنا وجود فوارق دقيقة للغاية بين دلالة كل لفظ.
ماذا عن لفظ يقرأ؟
نجده في القرءان يعني القراءة بذات ترتيب الآيات في السورة؛ قال الله – تعالى – : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ ﴾ من الآية (٢٠) المزمل.
ومن أمثلة ذلك:
﴿ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا (١٤) ﴾ الإسراء؛ لفظ: (اقرأ) معناه أنه يقرأ كتابه بذات ترتيب الأحداث دون نقص، أو زيادة، فلو انتقى أحداثًا معينة من كتابه صارت تلاوة وليست قراءة، بل أُمر أن يقرأ كتابه (أي لا يترك شيئًا منه)، لماذا؟ ليتبين له كل ما في كتابه من عمل قام به في الحياة الدنيا، فتُقام عليه الحجة ليكون الحكم عليه عادلًا.
قال الله – تعالى – : ﴿ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ (٢٠٤) ﴾ الأعراف، لم يقل: (إذا تُلي القرءان) ذلك من دقة الألفاظ في كتاب الله وأنَّ لكل لفظ دلالته، فهنا القراءة ستكون بترتيب الآيات كما هي في السور.
﴿ يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا (٧١) ﴾ الإسراء؛ لم يقل: (يتلون كتابهم) لاحظوا البلاغة بين الآيات، إنها كذلك قراءة وليست تلاوة، لأن كتاب الأعمال لا يُنتقى منه أعمال، وتترك أخرى، ولكن يُقرأ كاملًا حسب ترتيب الأحداث التي جاءت فيه.
لفظ (يتلو)
يكاد يصعب استنباط دلالته لدقتها الشديدة، لذلك حدث خلط في دلالة التلاوة لدي الناس (ربما بلا استثناء).
ولكن حين نتدبر القرءان نجد أنَّ التلاوة هي الآيات التي تتكلم عن شئ واحد حتى ولو كانت في عدة سور، مثل: الآيات التي تتكلم عن أحكام النكاح، حين نجمعها من كل السور التي جاءت فيها فهذا الفعل يُسمى تلاوة.
كذلك إذا أردنا أن نتبين أحكام الطلاق، أو الميراث، أو حقوق اليتامى، أو الآيات التي تحدثنا عن المحرمات، أو اليوم الآخر، كل موضوع من تلك الموضوعات حين نأتي بالآيات الخاصة به نقول: نتلوا الآيات، ذلك هو المراد بالتلاوة.
قال الله – تعالى – : ﴿ لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (١٦٤) ﴾ آل عمران.
حين يسألونه عن حكم معين، أو حين يُبيِّن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام حكمًا من الأحكام، مثل: أحكام الصلاة، وأحكام الحج أو أحكام الميراث فإنَّ الآيات التي تنقل لنا أحكام الميراث (فقط) تُسمى: (تلاوة) لأنَّها ذَكرت ما يتعلق بشئ واحد وهو: (الميراث) فنقول للتعبير عن ذلك: نتلوا آيات الميراث،
ومن يتحدث عن المحرمات فيأتي بالآيات التي تبيِّن للناس ما حرمه الله تعالى فإنَّ ذلك يُسمى: (تلاوة) لأنَّه يأتي بالآيات التي تتحدث عن المحرمات فقط، يتلوها من الكتاب آية بعد آية شرط أن يتلوها حق تلاوتها حتى تتبين الناس حكم الله كاملًا.
ومن دلالات لفظ التلاة:
قال الله تعالى: ﴿ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ (٢٧) ﴾ المائدة.
يَتبيَّن لنا المعنى بدقة: ﴿ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ ﴾ أي آيات تذكر ابني ءادم فقط، ولم يقل الله تعالى: (اقرأ عليهم نبأ ابني ءادم) إنَّ ذلك من بلاغة القرءان، ودقة كل لفظ فيه،
لأنَّ الآيات تتحدث عن ابني آدم فقط، عن جزء من حدث خاص بهما لذلك جاء لفظ اتلُ وليس اقرأ.
أما الآية الواحدة فنقول: نقرأ الآية؛ لأننا نقرأ الألفاظ حسب ترتيبها في الآية.
الترتيل:
بصفة عامة هو حسن تنسيق وتنظيم وترتيب الشيء حسب المراد منه، وليس حسب رؤية الإنسان، فالإنسان حين يُرتل قراءة القرءان فهو لا يقرأ كما يُريد ولكن كما أراد الله تعالى، وقرأ الرسول عليه الصلاة والسلام. فالترتيل لا يخضع للأهواء. ومن أمثلة الترتيل كذلك الذي يعني حسن تنسيق الشيء وتنظيمه، حين نُريد تبين دلالة الجسم فإننا نرتل الآيات التي جاء فيها لفظ الجسم لنستنبط دلالته التي يجب أن تكون منسجمة ومستقيمة في كل الآيات التي جاء فيها لفظ الجسم فلا تتغير تلك الدلالة من آية لأخرى. وكذلك حين يطعن البعض في الآيات التي تبدو وكأنها متعارضة، نأتي بتلك الآيات ونتبين المراد منها من خلال فعل الترتيل (وضع الآيات مع بعضها) لكي نتبين أنها منسجمة مع بعضها ولا تعارض بينها.
ترتيل القرءان حين تنسجم الأصوات وطريقة نطقها مع ما تواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام. وترتيل الآيات التي تبدو متشابهة أو متناقضة لنتبين من ترتيلها أنها منسجمة وليست متناقضة. وترتيل الآيات حين نُريد أن نتبين دلالة لفظ جاء في القرءان الكريم، ذلك بأن نضع الآيات التي جاء فيها ذلك اللفظ مع بعضها لكي نتبين دلالته التي يجب أن تكون منسجمة في كل الآيات.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ (١) قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا (٢) نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا (٣) أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا (4) ﴾ سورة المزمل، منها أن يقرأه فيُحسن قراءته.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا (٣٢) ﴾ سورة الفرقان، نزل مرتلًا؛ منسجم ومنظمًا حسب مراد الله تعالى، لا نجد فيه اختلافًا فكل آياته منسجمة مع بعضها، وكل ألفاظه ومواضعها منسجمة لا اختلاف فيها، بل لا نجد اختلاف بين دلالة اللفظ الواحد في كل الآيات التي جاء فيها، فإذا بحثت عن دلالة الجسم ستجدها تدل على الحي الذي يأكل الطعام، وإذا بحثت عن البدن ستجده يدل على الجسم بعد موته، وإذا بحثت عن الجسد ستجده يدل على الذي لا يأكل الطعام مثل التمثال، ذلك لا يتغير في كل الآيات..
فأنت حين تُريد أن تتبين دلالة لفظ، فعليك أن تُرتل الآيات التي جاء فيها ذلك اللفظ لكي تتبين دلالته بشكل منسجم لا يتغير من آية لأخرى.




