كيف نتبين من بلاغة القرءان أنَّ آزر ليس والد سيدنا إبراهيم؟

يكثر الجدل حول آزر هل هو والد سيدنا إبراهيم (الذي أنجبه) أم لا؟!

وقد تجاوز جدل البعض الحدود بقولهم: إنَّ آزر هو والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهذا مُثبت بالقرءان والسنة؛ فيكون بذلك من خالف قولهم قد خالف القرءان والسنة!

وهل حقا القرءان أثبت أنَّ آزر هو والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ ؟

بل القرءان أثبت لنا غير ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، وبشكل يُغلق باب الجدال فيه..

وكيف نُثبت من خلال بلاغة القرءان أنَّ آزر ليس والد سيدنا إبراهيم؟

نعلم أنَّ الأب يُطلق على الجد والعم: ﴿ وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ (38) ﴾ سورة يوسف.

﴿ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ (133) ﴾ سورة البقرة.

إذًا الآباء تُطلق (كما يتبين لنا من القرءان الكريم) على الجد والعم.

فما الذي يُبين لنا من القرءان أنَّ آزر هو أب لسيدنا إبراهيم (عمه) وليس والده؟

سيدنا إبراهيم (قبل أن يتقدم في العمر) كان يُفكر في خلق السموات والأرض، وبعد أن تقدم به العمر أرسله الله ـ تعالى ـ إلى قومه؛ ليُنذرهم.

ربما يكون والده عاش حتى تقدم العمر بسيدنا إبراهيم وأصبح رسولًا؟!

 من بلاغة القرءان سيتبين لنا أنَّ والديه هما من أهل الفترة (لم يأتِهما نذير) والله لا يُعذب حتى يبعث رسولًا: قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ﴾ من الآية (15) سورة الإسراء.

ولا يُدخل جهنم إلَّا من جاءه نذير وكذب (كما يتبين لنا من سورة الملك): ﴿  تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ (8) ﴾.

فيردون بقولهم: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ (9) ﴾.

 إذًا هم اعترفوا فحق عليهم العذاب.

وفي شأن آزر؛ يتبين لنا أنه جاءه نذير (نبي الله إبراهيم) وكذبه؛ فغضب الله عليه وجعله من أعدائه؛ لذلك لا يقبل الله من نبيه أن يستغفر لأزر أبدًا لأنه عدو لله؛ وذلك ما نتبينه من قول الحق: ﴿ وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ (114) ﴾ سورة التوبة.

عدو لله، تبرأ منه رسول الله؛ إذًا يستحيل أن يستغفر له مرة أخرى بعد أن علم أنه عدو لله.

كان ذلك قبل أن يترك إبراهيمُ ـ عليه السلام ـ قومه، ويُهاجر إلى أرض أخرى.

فماذا حدث بعد الهجرة؟

علمنا أنَّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ يستحيل أن يستغفر لأبيه آزر بعد أن علم أنه عدو لله، وبعد أن تبرأ منه كما بيَّن لنا القرءان: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ﴾.

الله ـ تعالى ـ يُعلم النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمؤمنين من موقف إبراهيم ـ عليه السلام ـ وأبيه آزر أنه لا يجوز للمؤمن أن يستغفر لمن تبين له (علم اليقين) أنه عدو لله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ (13) ﴾ سورة التوبة.

وفي الآية التي تلتها جاء ما يُبين لهم أنَّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ حين وعد أبيه آزر بأن يستغفر له؛ لم يكن على علم بأنه عدو لله، وأنه من أهل جهنم.

ولكن بعد أن علم أن تبين له أنَّ أبيه آزر عدو لله؛ تبرأ منه ولم يستغفر له أبدًا: ﴿ وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ (114) ﴾ سورة التوبة..

فتكون الآيات بذلك تلاوة لموضوع واحد: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ (114) ﴾ سورة التوبة؛ ليتعلم منها النبي والمؤمنون.

إذًا يستحيل أن يستغفر إبراهيم لأبيه آزر بعد الهجرة..

وهنا نأتي بالآية الفاصلة التي تُبين لنا أنَّ آزر ليس هو والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ : ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾ سورة إبراهيم.

كان ذلك دعاء إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد الهجرة وبعد أن ترك قومه وبعد أن تبرأ من آزر..

إذًا يستحيل أن يكون آزر هو والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ كما يتبين لنا من الآيات الكريمة.

وهل كانت هذه الآيات بعد أن ترك سيدنا إبراهيم قومه؟

بلى، وسيتبين لنا أنها كذلك بعد أن ذهب لمكة، وأنجب: إسماعيل، وإسحاق ـ عليهما السلام ـ :

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (36) رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡ‍ِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ (37) رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ (38) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (39) رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ (40) رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾ سورة إبراهيم.

فهل بعد كلام الله وآياته المحكمات قول؟!

لقد أثبتنا خطأ من قال: إنَّ آزر هو والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ وزعم أنَّ ذلك ما أثبته القرءان؟!

فحين عدنا للقرءان تبين لنا من خلال تفصيل الآيات (دون اجتزاء، أو جهل بآياته) أنَّ آزر ليس هو والد سيدنا إبراهيم.

لماذا؟

لأن إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد أن ترك قومه وأرضهم، وذهب لمكة وأنجب: إسماعيل، وإسحاق؛ أي بعد أن تبرأ من آزر الذي لا يُمكن أن يستغفر له أبدًا بعد أن علم أنه عدو لله؛ قال: ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾.

إذًا هذا الاستغفار كان لوالده وليس لآزر.

وبالتالي:

ليس آزر هو والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart