وذلك في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) ﴾.
من دقة الألفاظ في القرءان الكريم التي تدل على أنَّ الله أحاط بكل شئ علمًا، ومن بلاغة القول التي نتبينها بتدبر الآيات نجد أنَّ فعل: (يَغۡشَىٰهَا) لا يأتي إلَّا في المضارع، وفعل: (جَلَّىٰهَا) يأتي في زمن الماضي؛ ذلك من بلاغة القول التي تتوافق مع آيات الله في الكون.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا (1) وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا (2) وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) ﴾ سورة الشمس.
﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) ﴾ ذلك لأن الليل دائمًا يغشى الشمس؛ أي دائمًا يُحيط بها فيمنع تأثيرها (حولها مباشرة)؛ أو حيث لا يُوجد غلاف جوي.
فاذا صعد الإنسان إلى خارج الغلاف الجوي للأرض وجد ظلامًا ووجد الليل يُحيط بالشمس.
وهذا يتافق مع قوله ـ سبحانه وتعالى ـ : ﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) ﴾ لذلك جاء فعل يغشاها في المضارع دليل على أنَّ الليل دائمًا يغشى الشمس دون انقطاع.
هذه آية علمية لم يكتشفها العلماء إلَّا في العصر الحديث بعد أن صعد الإنسان إلى خارج الغلاف الجوي للأرض؛ وهو دليل بدوره على أنَّ القرءان هو كلام الله الذي أحاط بكل شيء علمًا.
والآن مع لفظ: (جلاها) وما نتبينه من بلاغة القرءان.
وكذلك نرد قول المُبطلين الذين شككوا في قول الله ـ تعالى ـ :
﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) ﴾؛ إذ قالوا: إنَّ في الآية خطأ؛ كيف يأتي (يغشاها) في المضارع وفعل: (جلاها) يأتي في الزمن الماضي؟!
وقالوا: بل كان يجب أن يأتي: (والنهار إذا يُجليها) أي في المضارع!
كيف نرد قولهم، ونثبت خطأهم؟
قول الحق: ﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) ﴾ يتوافق مع آية علمية وهي: أنَّ الشمس إذا طلعت فإن النهار يكون قد جلاها مرة واحدة دون تدرج،
أو نسبية؛ أي بمجرد أن تطلع الشمس يكون النهار قد جلاها مباشرة (أي فجأة).
لذلك كان القول البليغ أن يأتي: ﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) ﴾ وليس: (والنهار إذا يُجليها) لأن التجلي يكون فجأة (مرة واحدة) دون نسبية، وليس بشكل مُتدرج.
حيث أنَّ بمجرد طلوع الشمس يظهر تأثيرها في النهار فجأة (مرة واحدة).
ومن الأدلة على أنَّ التجلي يكون مرة واحدة وليس بتدرج التجلي؛ ما نتبينه من الآيات الكريمة التالية:
﴿ يَسَۡٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسَۡٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ (187) ﴾ سورة الأعراف.
لفظ: (لوقتها) هو الذي جعل التجلي يكون مرة واحدة وليس بتدرج،
فالذي يستغرق زمن هو مجئ الوقت الخاص بها، وليست الساعة (ذاتها)، وحين يأتي وقتها تظهر الساعة فجأة.
نعم، فالساعة تأتي مرة واحدة (فجأة) دون مُقدمات.. ومن الأدلة على ذلك قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ ﴾.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (143) ﴾ سورة الأعراف.
لاحظوا قول الحق: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ ﴾ قال: ﴿ تَجَلَّىٰ ﴾ دليل على أنَّ التجلي كان فجأة، وليس بتدرج.
كذلك قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) ﴾ سورة الليل، فمن بلاغة القول لم يقل: (والنهار إذا يتجلى) في المضارع؛ لأن التجلي يكون مرة واحدة؛ أي فجأة، وليس بتدرج.
لذلك لم يقل الله ـ سبحانه وتعالى ـ : (والنهار إذا يتجلى) ولكن قال:
﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) ﴾ تجلى وانتهى زمن التجلي فجأة، وليس بتدرج.
ومع الليل يأتي الفعل: (يغشى) في المضارع كما في قول الله ـ عز وجل ـ : ﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ (1) ﴾ سورة الليل؛ لأن الليل دائمًا يغشى الشمس (حولها مباشرة) أي لا ينقطع الليل من حولها مباشرة؛ وهذا اكتشاف علمي حديث تبينه العلماء بعد الصعود إلى خارج الغلاف الجوي للأرض؛ حيث وجدوا أنَّ الشمس دائمًا حولها ليل.
وفي النهاية:
﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ (1) وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) ﴾ سورة الليل.
﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) ﴾ سورة الشمس.
فعل: (يغشى) يأتي في المضارع؛ لأن الليل يُحيط بالشمس، ويمنع تأثيرها (حولها مباشرة) أو مادام ليس هناك غلافًا جويًا.
وفعل: (تجلى) لا بد أن يأتي في زمن الماضي؛ لأنه يعني أنَّ النهار جلى الشمس فجأة دون نسبية، أو تدرج.
إذًا الآيات مُتوافقة مع بلاغة الألفاظ والآيات الكونية؛ لتدل على أنَّ القرءان الكريم هو كلام الله الذي أحاط بكل شئ علمًا.



