قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (١٦٤) ﴾ سورة آل عمران.
النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يرد جدال المُشركين بالتي هي أحسن، وكان الناس يُناقشونه في أمور الخلق، والبعث.. فكان يرد عليهم، وكان يُعلم المُؤمنين أمور دينهم، ويقودهم لرد العدوان، وهذا لا يقتصر على تبليغ الرسالة فقط؛ لذلك فالنبي مبعوث ورسول.
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (٦٧) ﴾ سورة المائدة.
فهو رسول يُبلغ رسالة ربه، ونبي بعثه الله ليكون له حرية العمل وفقًا لمبادئ تلك الرسالة.
وإن أخطأ دون قصد منه (في غير تبليغ الرسالة) يأتيه الوحي ليُعلمه ماذا يفعل في المستقبل.
ومن أمثلة ذلك:
حين عبس في وجه الأعمى وهو يُحاور أحد كبار الكافرين..
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ (١) أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ (٢) وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّلهۥ يَزَّكَّىٰٓ (٣) أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ (٤) أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ (٥) فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ (٦) وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (٧) وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ (٨) وَهُوَ يَخۡشَىٰ (٩) فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ (١٠) كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ (١١) ﴾ سورة عبس.
هذه الآيات تُجسد دور المبعوث الذي يُخاطب الناس ويناقشهم، وقد يختلف لديه تقدير أمر ما.. ولأنه نبي مبعوث من رب العالمين أوحى الله له آياته ليُعلمه ويعلم المؤمنين كيف يعمل في مثل هذا الموقف..
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (٤٣) لَا يَسۡتَٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ (٤٤) ﴾ سورة التوبة.
لأنه مبعوث يتصرف حسب رؤيته في بعض المواقف؛ فقد يُخطئ التقدير دون قصد في بعض الأمور؛ لذلك يأتيه الوحي ليُعلمه.
فيكون دائمًا مُحاطًا بعناية الله.
﴿ ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ (٥٦) ﴾ سورة البقرة؛ بُعثوا ليُمارسوا حياتهم كيف يشاءون بعد مشيئة الله.
من دلالات البعث أنَّ فيه حرية العمل كما نتبين من قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا (١٩) ﴾ سورة الكهف.
من بلاغة القرءان لم يأتِ القول: (وكذلك أرسلناهم) بل قال: ﴿ وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ ﴾ لأن البعث هنا يتناسب مع حرية العمل في الحياة؛ فهم يقولون ما يُريدون؛ لذلك قال الحق ليؤكد لنا أنهم ليسوا مُجبرين:
﴿ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ ﴾ فتساؤلهم يتم بشكل طبيعي؛ لذلك جاء: ﴿ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ ﴾ كل واحد منهم يقول ما يُريده فهو لا يُبلغ رسالة.
ثم يتأكد المعنى بقول الله ـ تعالى ـ: ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ﴾.
لماذا لم يقولوا (أرسلوا) وقالوا: (ابعثوا)؟
ذلك من بلاغة الألفاظ في القرءان؛ لأن من سيبعثونه سيكون هو صاحب القرار في تخير أيها أزكى طعامًا، فهو مبعوث (وليس رسولًا)؛ هم لم يُحددوا له نوع الطعام، ولا المكان الذي سيشتري منه الطعام، ولا ثمنه، ولا كميته؛ فتوافق القول في القرءان مع بلاغة دور المبعوث.
فالمبعوث هنا لديه هدف عام، وهو أن يتخير أيها أزكى طعامًا فيأتي به.
وماذا لو حددوا له نوع الطعام؟
لو حددوا له نوع الطعام، وكميته، وثمنه، والمكان الذي سيشتري منه الطعام، ولا يكون له رأي في أي شيء من ذلك؛ كانوا سيقولون: (فأرسلوا أحدكم..) وبالتالي: يكون لفظ: (رسول) وليس مبعوثًا، هو اللفظ المُناسب؛ إذ حددوا له كل شيء سيفعله، ولن يفعل شيئًا من رأيه هو أبدًا فيما أُرسل من أجله.
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (٦٠) ﴾ سورة الأنعام.
الآية تدل على أنَّ كل إنسان يستيقظ ليُمارس حياته بشكل حر وطبيعي؛ قد بُعث مرة أخرى ليعمل ما يراه مُناسبًا (بعد مشيئة الله).
المبعوث له إرادة في عمله، ولو كان ذلك المبعوث ينفذ عملًا لآخرين؛ فإنه يعمل بحرية نسبية لا تخرج عن خطة العمل الموضوعة له من قبل.

