Beautiful view of Istanbul's mosques at sunset with vibrant sky and silhouettes.

هل القرءان كامل البيان والبرهان؟

البعض يظن أنَّ القرءان كتاب يحتاج إلى أدلة من خارجه، وقد كان ذلك سببًا استغله مثيرو الشبهات للطعن في آيات القرءان الكريم، إذ قالوا: القرءان نقصت منه آيات، ومنهم من قال: تم تغيير آياته!

ولكن حين نتدبر القرءان يتبين للناس أنه كتاب كامل ومحكم، لا ينقصه البرهان أو الدليل القاطع على أنه كلام الله الذي لا نقص فيه ولا اختلاف؛ قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ﴾ من الآية (89) سورة النحل.

 ذلك لنعلم أنَّ دقة الألفاظ في القرءان تُمكن من يتدبر آيات الله من استنباط البرهان (الدليل) على أنَّ القرءان هو كلام الله حقًا.

ولنا في ذلك مثلًا:

طعن مثيرو الشبهات في قول الحق: ﴿ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (92) ﴾ سورة يونس؛ إذ قالوا: هل فرعون غرق أم نجا؟

لماذا قالوا هذا؟

لأنهم جعلوا دلالة لفظ البدن كدلالة لفظ الجسم تدل على الإنسان الحي!

وماذا عن دلالة البدن في القرءان، هل يمكن أن نستنبط من الآيات معنى البدن فيكون ذلك هو برهانًا على أنَّ القرءان كلام الله وليس كلام بشرٍ؟

نعم، وقد ذكرنا ذلك من قبل في كتاب “من روائع البيان في القرءان والرد على الشبهات”.

لأنهم جعلوا دلالة لفظ البدن كدلالة لفظ الجسم تدل على الإنسان الحي!

وماذا عن دلالة البدن في القرءان، هل يمكن أن نستنبط من الآيات معنى البدن فيكون ذلك هو برهانًا على أنَّ القرءان كلام الله وليس كلام بشرٍ؟

نعم، وقد ذكرنا ذلك من قبل في كتاب “من روائع البيان في القرءان والرد على الشبهات”.

في الآية بلاغة شديدة الإعجاز والإيجاز دل عليها لفظ: (ببدنك)؛ لماذا جاء: ﴿ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ وليس: (ننجي بدنك)؟

لأن حرف الباء جعل البدن جزءًا من فرعون؛ فبعد أن غرق فرعون وماتت نفسه تحول جسمه الذي ينبض بالحياة لبدن لا حياة فيه؛ ولأن ذلك البدن يدل على فرعون إذ هو جسمه بعد الموت؛ نُسب البدن إليه:

﴿ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾.

ونجد دليلًا آخر على أنَّ البدن هو الجسم بعد ذهاب الحياة منه ذلك في قول الحق: ﴿ وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾ سورة الحج؛ البُدنَ جمع بدن وهي تصف الأنعام بعد ذبحها وبعد أن أصبحت مهيئة للأكل.

ما سبب نجاة بدن فرعون من الهلاك في ماء البحر؟

ليكون دليلًا على غرق فرعون فيتعظ الناس حين يرون بدن فرعون الطاغية قد أصبح بدنًا (ميتًا) لا يقوى على الحركة.

بهذا نجد أنَّ دلالة البدن حسب ما نتبينه من القرءان هي الجسم بعد موته، وهذا الأمر يُزيل أي تناقض في الآية ويرد خطأ من ظنوا أنَّ فرعون نجا وآمن.

أليس هذا دليلًا على أنَّ القرءان به البرهان الذي يثبت أنَّه كلام الله؟

ومع برهان آخر نرد به قول مثيرو الشبهات ونثبت لهم أنَّ القرءان ليس ناقصًا أو تبدلت آياته:

قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ﴾ من الآية (196) سورة البقرة.

هذه الآية طعن فيها مثيرو الشبهات منذ مئات السنين وقالوا: وهل الناس لا يعلمون أنَّ مجموع ثلاثة وسبعة يساوي عشرة، ومنهم من قال: هل تُوجد عشرة كاملة وأخرى ناقصة؟ ثم قالوا: هذه الآية لا بلاغة فيها وهي زائدة لو أُزيلت لن يتغير المعنى!

ذلك ظنهم إذ لا يتدبرون القرءان؛ ولو تدبروا الآيات وأدركوا أنَّ الآيات تفصل بعضها لتبينوا أنَّ الآية الكريمة تحوي إعجازًا لا يمكن أن يكون في كتاب بشري.

كان ردنا على قولهم من خلال القرءان وتكامل آياته التي تفصل بعضها بدقة بالغة، وأثبتنا لهم أنَّ القرءان لا ينقصه البرهان.

حين تدبرنا لفظ كاملة في كتاب: “من روائع البيان في القرءان والرد على الشبهات” وفرقنا بينه وبين لفظ: (تامة) تبين لنا أنَّ كاملة دلت على العدد الذي يتكون من معدود انفصلت معدوداته ولم تتتابع..

وهنا سأضرب مثلًا: لو قلت: سأصوم ثلاثة أيام كاملة، ماذا أفقه من ذلك القول؟

أنَّ الثلاثة أيام لن تكون متتابعة بل ستكون مُتفرقة، مثلًا: يصوم يومان متتابعان بعدهما يفطر يومًا أو أكثر من يوم؛ ثم يوم اليوم الثالث، أو ستكون كالتالي: يصوم يومًا ويفطر بعده يومًا أو أكثر ليمنع التتابع بين الثلاثة أيام؛ ثم يصوم اليوم الثاني والثالث متتابعان، أو يفرق بين الثلاثة أيام: يصوم يومًا بعده يفطر يومًا أو أكثر؛ ثم يصوم يومًا ثانيًا بعده يفطر يومًا أو أكثر؛ ثم يصوم اليوم الثالث.. هذا معنى: سأصوم ثلاثة أيام كاملة.

أما لو قال: سأصوم ثلاثة أيام تامة؛ فهذا يعني أنه سيصوم الأيام متتابعة.

تامة لا تدل على تمام يوم الصيام؛ لأن يوم الصيام لا بد أن يُتم من الفجر إلى الليل: ﴿ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ ﴾ سورة البقرة من الآية (187)، لاحظوا بلاغة القرءان وفرادة اللفظ ودلالته: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ ﴾ ولم يقل: (ثم أكملوا) لأن أتموا دلالتها أن الصيام يكون متصلًا إلى الليل.

وماذا عن كاملة؟

قال الله تعالى: ﴿ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ ﴾ من الآية (185) سورة البقرة.

﴿ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ ﴾ وليس: (ولتتموا العدة) هذا من بلاغة القرءان ودقة ألفاظه فلو جاء لفظ: (ولتتموا) كان سيعني أنَّ العدة ستكون (إلزامًا) بعد نهاية شهر رمضان مباشرة؛ ولكن الله تعالى أراد أن يفطر الناس يوم العيد فجاء لفظ: (ولتكملوا) الأمر الذي أكد أنه لا بد من ترك فاصل بين قضاء العدة وبين شهر رمضان هذا الفاصل هو يوم العيد.

نستنبط من بلاغة القرءان أنَّ يوم العيد أصبح فاصلًا بين شهر رمضان والعدة، لا يجوز فيه الصيام وقد بيَّن لفظ: (ولتكملوا) هذا التشريع وأكد صحة ما يتبعه المسلمون منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

وفي الآية الكريمة: ﴿ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ﴾ كان سبب مجئ لفظ عشرة في الآية هو وجود كاملة، وكان سبب وجود كاملة هو أنَّ الله أراد أن يُبين لنا أن صيام ثلاثة أيام في الحج تكون مُتفرقة وليست شرطًا تكون متتابعة، وكذلك صيام سبعة أيام بعد الرجوع من الحج تكون مُتفرقة وليست شرطًا تكون متتابعة.

وهنا نتبين من تدبر القرءان وبلاغة ألفاظه جانبًا تشريعيًا بالغ الدقة والكمال لمن يتدبر آيات الله، وأثبت أنَّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ﴾ لم يكن زائدًا أو غير بليغ؛ بل هو قول بالغ الإحكام لا يأتي إلَّا من الخالق الذي أحاط بكل شيء علمًا.

أليس هذا دليلًا على أن القرءان به البرهان (الدليل القاطع) الذي يثبت للناس أنه كلام الله؟

إبراهيم محمد حامد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عربة التسوق