من أمثلة تلك الألفاظ:
ـ أنَّ موسى عليه السلام لم يعرف ملك الموت، مع أنَّ ملك الموت قال له: أجب ربك!
ـ أنَّ ملك الموت رجع إلى ربه، فجعلوا بذلك لله مكانًا!
ـ ملك الموت يقول لله: إنك بعثتني إلى عبد لك لا يُريد الموت وقد فقأ عيني، وكأن الله لا يعلم ما حدث!
ـ بدا في الرواية أنَّ الله يُخير نبيه موسى بين الموت والحياة فهل هذا يُخالف دقة الألفاظ في القرءان وإحكام آياته؟
ـ القول بأن عين ملك الموت فُقئت، يجعل لملك الموت عينًا مثل عين الإنسان تتكون من أنسجة ودم؟
اختلفت الرواية في بعض ألفاظها:
في رواية: أرسل الله تعالى ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صك موسى ملك الموت ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى ربه وقال:
أرسلتني إلى عبد لا يُريد الموت.
قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة.
قال: أي رب ثم ماذا؟
قال: الموت.
قال: فالآن.
وفي رواية أخرى:
بعد أن جاء ملك الموت موسى عليه السلام قال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع ملك الموت إلى الله فقال: إنك بعثتني إلى عبد لك لا يُريد الموت وقد فقأ عيني.
قال: فرد الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تُريد؟ فإن كنت تُريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش (بكل شعرة) سنة.
قال: قال أي ربي ثم ماذا؟
قال: ثم الموت.
قال: فالآن يا رب من قريب.
سنبني ردنا على تلك الروايات من خلال بلاغة البيان في القرءان وتفصيل الآيات وتكاملها وإحكامها..
لذلك نطرح هذا السؤال: هل من يتوفى الأنفس ملك واحد أم مجموعة من الملائكة؟
هذا السؤال ينقلنا لنتبين أنَّ الرواية الظنية لم تذكر ما يتوافق مع آيات القرءان التالية:
﴿ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ (11)
﴾ سورة السجدة.
﴿ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ (50) ﴾ سورة الأنفال، فلو كان من يوفى كل الأنفس هو ملكًا واحدًا، فما هو تفسير البعض لقول الله تعالى:
﴿ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ﴾؟
أما قول الله تعالى: ﴿ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ﴾ فهو ليس تناقضًا في الآيات ولكن معناه أنَّ لملائكة الموت ملك يقودهم ويوجههم لتنفيذ أمر الله.
ومن الأدلة الأخرى على أنهم ملائكة وليس ملكًا واحدًا ما نتبينه من قول الله تعالى: ﴿ فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ (27) ﴾ سورة محمد.
لو كان للموت ملكًا واحدًا يتوفى كل الأنفس، ما جاء: ﴿ فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ﴾ وكذلك: ﴿ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا ﴾.
هذا يعني أنَّ للموت أكثر من ملك ولا يُعقل أنَّ من يتوفى الأنفس في كل لحظة ملك واحد.
فهل سيدنا موسى رءا ملكًا واحدًا ولم يرَ كل الملائكة الذين جاءوا معه؟
ولو قيل: أُرسلت مجموعة من ملائكة الموت، فلماذا لم تذكر الرواية ذلك؟
بل الرواية (وهي ظنية) ذَكرت ملكًا واحدًا هو من رءاه سيدنا موسى وظنه حسب التفسير أنه رجل واحد دخل بيته دون إذنه.
وهذا يُخالف قول الله تعالى: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ (99) لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ (100) ﴾ سورة المُؤمنون.
لنتوقف عند دقة التعبير وبلاغة لفظ: ﴿ ٱرۡجِعُونِ ﴾ لقد جاء بصيغة الجمع ليدل على أنهم ملائكة وليس ملكًا واحدًا هم من يتوفون النفس، يقودهم ملك هو من وُكل بوفاتها.
﴿ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ (93) ﴾ سورة الأنعام.
وفي الآية الكريمة: ﴿ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ ﴾ نجد أنَّ: ﴿ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ ﴾ جاءت بصيغة الجمع، ليتوافق ذلك مع قول الله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ﴾ وكذلك مع قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ ﴾.
ومن بلاغة البيان التي نتبين منها ضعف الرواية ما جاء في الآية الكريمة: ﴿ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ ﴾ ليدل على أنَّ الناس لا يرون ملائكة الموت وهي تتوفى الإنسان ولو كان الناس يُحيطون به وقت الوفاة.
دليل آخر يُبين لنا أنَّ للموت ملائكة: ﴿ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (90) ﴾ سورة يونس.
حين أدرك فرعونَ الغرقُ استيقن أنَّ وعد الله حق (يقين الموت الذي لا ريب فيه ولا شك) فأعلن إيمانه.
فردت عليه ملائكة الموت قائلة: ﴿ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (91) فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ (92) ﴾ لأن ملائكة الموت تظهر للإنسان حين يأتيه الموت، ويكون ذلك هو الحق، واليقين: ﴿ وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ (19) ﴾ سورة ق.
والدليل الذي أختم به الرد، ويُثبت لنا أنَّ من يتوفى النفس أكثر من ملك، هو قول الله تعالى: ﴿ .. حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾ من الآية (61) سورة الأنعام، إنه قول لا يقبل التأويل، قاطع إذ جاء بصيغة الجمع: ﴿ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا ﴾ إنه تفصيل الآيات وتكاملها وإحكامها الذي أثبت لنا أنَّ من يتوفى النفس (الواحدة) هم مجموعة من الملائكة، وليس ملكًا واحدًا، قال الله تعالى: ﴿ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا ﴾.
والآن نطرح هذا السؤال: هل تمثل الملائكة في صورة بشرٍ للنبيين عليهم السلام ولبعض الصالحين كالصديقة مريم عليها السلام، يعني أنَّ ملك الموت يتمثل في صورة بشرٍ؟
قيل في روايات: إنَّ ملك الموت كان يظهر في صورة بشرٍ أمام الناس، أو يظهر في صورةٍ بشريةٍ للإنسان الذي جاء أجله بالموت.
لكن تبين لنا من الآيات أنَّ من يتوفي النفس مجموعة من ملائكة الموت: ﴿ .. حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾ وليس ملكًا واحدًا. إذًا ما جاء في بعض الروايات لا يتوافق مع بلاغة القرءان، لأن الآيات تحدثت عن ملائكة وليس عن ملكٍ واحدٍ.
ومن حكمة الله أنَّ ملائكة الموت لا تظهر في صورةٍ بشريةٍ للأسباب التالية:
ـ الموت بغمراته وسكرته هو لحظة اليقين التي تتكشف فيها الحقائق للإنسان الذي جاء أجله، تلك هي اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان إلى عالم الحق واليقين الذي لا ريب فيه ولا شك.
ـ إنه يقين الموت الذي من علاماته، أنَّ من يتوفاه اللهُ يرى (هو وحده وليس من حوله من الناس) ملائكة الموت في صورهم الملائكية:
﴿ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ ﴾.
ـ الحكمة من عدم ظهور ملائكة الموت في صورةٍ بشريةٍ، أن يستيقن الإنسان حين يرى الملائكة في صورتهم الملائكية أنَّ وعد الله حق.
ولكن ما الدليل على أنَّ من تتوفاه الملائكة هو فقط من يراهم؟
قول الله تعالى: ﴿ فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ (83) وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ (84) وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ (85) ﴾ سورة الواقعة، وليس بعد قول الله قولًا آخر، إنه قول فصل وقاطع ينفي رؤية الناس للملائكة وهم يتوفون النفس ولو كانوا ينظرون إليه:
﴿ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ (85) ﴾ هم من حوله ولكن مع هذا لا يرون ملائكة الموت التي تتوفى تلك النفس.
ومتى تتجسد الملائكة في صورةٍ بشريةٍ؟
حين تكون الملائكة رسولًا للنبيين وبعض الصالحين يُبلغونهم رسالات ربهم.
ومن أمثلة ذلك ما جاء في سورة الذاريات:
﴿ هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ (24) إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ (25) ﴾ كانوا في صورٍ بشريةٍ لم يرَهم من قبل: ﴿ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ﴾ قوم، يعني أنهم تمثلوا له في صورٍ بشريةٍ.
وهذا الدليل الذي سأقوله الآن من القرءان الكريم يُثبت أنَّ الملائكة حين تتجسد في صورٍ بشريةٍ لا يكونون بشرًا من لحم ودم، بل في صورٍ بشريةٍ فقط: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ (26) فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ (27) فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ (28) ﴾ نعم، لا يأكلون لأنهم ليسوا بشرًا حقيقيون من أعضاء ولحم ودم، ولكن تمثلوا فقط في صورٍ بشريةٍ، فهم لا يحتاجون للقلب الذي يُقلب الدم، أو جهاز هضمي والدليل أنهم لم يأكلوا.
حين يتجسد الملك في صورةٍ بشريةٍ، لا يتأثر بفعل البشر، فلا يُصاب في العين لأنها مجرد صورة وليست من أنسجة ودم، والدليل على ذلك ما نتبينه من الآية الكريمة: ﴿ فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ (27) ﴾ فالملائكة لا تأكل الطعام.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسَۡٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ (8) ﴾ سورة الأنبياء.
وقد رأتهم وسمعتهم امرأة سيدنا إبراهيم: ﴿ فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ (29) ﴾.
لماذا رأت الملائكة وسمعتهم؟
لأن الملائكة تمثلوا في صور البشر ليُبلغوا إبراهيم عليه السلام بالرسالة، وليُبشروه وامرأته بغلام عليم: ﴿ فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ (28) ﴾.
وحين تعجبت لأنها عجوز عقيم، وبعلها شيخ كبير قالت الملائكة لها: ﴿ قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ (30) ﴾.
سألهم سيدنا إبراهيم: ﴿ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ (31) ﴾؟
﴿ قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ (32) لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ (33) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ (34) فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (36) وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ (37) ﴾.
وكذلك تجسد رسل الله في صورٍ بشريةٍ حين جاءوا سيدنا لوط ليُبلغوه برسالة ربهم: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ (77) وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّئَِّاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ (78) قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ (80) قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ (81) ﴾ سورة هود.
كذلك رءاهم الناس من قوم لوط، لأنهم تمثلوا في صورٍ بشريةٍ ولم يكونوا بشرًا حقًا، هم مثل البشر وليسوا بشرًا من لحم ودم، لا يأكلون الطعام، فقط يتمثلون في هيئةٍ بشريةٍ.
ومن الأدلة على ذلك:
قول الله تعالى: ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا (16) فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا (17) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا (18) قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا (19) ﴾ سورة مريم.
تمثل لها بشرًا ولم يُصبح كالبشر في كل شيء، صورته فقط كانت على صورة بشرٍ، ولفظ: (سويًا) يعني أنه كان في صورة بشرٍ كاملةٍ،
فلا يُمكن للسيدة مريم أن تشك في أنه بشر.
وبالتالي: القول بأن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت، لا يتوافق مع آيات القرءان لأن الملك حين تجسد في صورةٍ بشرٍ كما حدث من قبل لم يكن بشرًا حقيقيًا من أعضاء ولحم ودم.
هل سيدنا موسى لا يعرف ملك الموت والملائكة الذين معه؟
الرواية تقول: [ أجب ربك ] إذًا الملك أعلن عن نفسه، ويكفي أن يشعر سيدنا موسى أنه الحق لأن الموت يأتي بالحق، وينقل الإنسان إلى عالم اليقين الذي لا ريب فيه ولا شك.
لا اختبار أو ابتلاء في الموت إنه اليقين: ﴿ وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ (99) ﴾ سورة الحجر، نعم، الموت هو اليقين الذي لا يُكذبه أحدٌ.
ولا تأخير في الموت (مطلقًا) إذا جاء الأجل، والدليل قول الحق:
﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (11) ﴾ سورة المنافقون، إنه قول مُحكم، لا استثناء فيه.
ولا يُقدم الأجل إذا جاء: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ (34) ﴾ سورة الأعراف، ﴿ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۢ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ (6) ﴾ سورة الجاثية.
ومن الآيات التي تدل على أنَّ الأجل لا يتأخر أو يتقدم:
﴿ وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ (61) ﴾ سورة النحل.
﴿ قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ (49) ﴾ سورة يونس.
﴿ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ ﴾ من الآية (145) سورة آل عمران، أي كُتب وقته (المُؤجل) لذلك حين يأتي الأجل لا يُؤخر ولا يُستقدم أبدًا: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (11) ﴾ إنها آية مُحكمة لا استثناء فيها.
وبالتالي: القول بأن الله ـ تعالى ـ خير نبيه موسى بين الموت والحياة يُخالف الآيات البينات المُحكمات في كتاب الله:
﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (11) ﴾
القول مطلق لا يستثني نفسًا إذا جاء أجلها.
كما أنَّ الموت إذا جاء فإنه يأتي بالحق، ولا يأتي اختبارًا أو تخييرًا.
لماذا؟
لأن من قدر الموت هو أحكم الحاكمين، وتقدير الموت يعني أنَّ لكل نفسٍ أجل لا يمكن أن يتغير، ولا يمكن أن يتم تقدير الأجل وفقًا لرأي الإنسان: ﴿ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ..﴾ من الآية (60) سورة الواقعة.
الموت هو حكم الله ـ تعالى ـ والله لا يُشرك في حكمه أحدًا: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا (26) ﴾ سورة الكهف، فكيف يجعل الله الحكم للنبي في اختيار أجله؟
إذا حان الأجل فإن الموت يأتي بالحق وليس ابتلاءً أو اختبارًا لمن جاء أجله، لأن الموت هو اليقين الذي تتجلى فيها الحقائق أمام النفس، وبالتالي لا يُمكن لبشر أن يشك في ملائكة الموت أو يرتاب في أنه الأجل واليقين.
كما أنَّ هناك تعارضًا بين قول: إنَّ الله عز وجل خير سيدنا موسى بين الموت والحياة، وطلب منه أن يضع يده على متن ثور ليكون له بكل شعرة يُواريها سنة زيادة في عمره، وبين قول: إنَّ الله تعالى هو من قدر الموت وليس للبشر أي دور في ذلك.
قال الحق: ﴿ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ.. ﴾ من الآية (60) سورة الواقعة، فكيف يُخير سيدنا موسى بين الموت والحياة؟
ولو وضع سيدنا موسى يده على متن ثور، من الذي يكون قد حدد الأجل في تلك الحالة؟
هل هذا من تقدير الله تعالى أم جُعل وكأن الحظ هو من يُحدد أجل سيدنا موسى وكتابة القدر؟
ألا يُخالف ذلك قول الحق: ﴿ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ.. ﴾؟
كذلك القول بتخيير موسى عليه السلام يُخالف قول الله ـ تعالى ـ :
﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (11) ﴾.
تلك آيات مُحكمات تنطق بالحق فتنطبق على كل البشر دون استثناء، فالله كل شيء عنده بحكمة وقدر، هو وحده من يُقدر الموت وأجل النفس، ولا يشرك في حكمه أحدًا.
وفي النهاية:
الرواية تظل ظنية يُؤخذ بها ما لم تُخالف القرءان، وهي رواية لا تُؤثر في الثوابت الدينية، لا تُؤثر في الصلاة، أو الحج.. ولا تأتي للناس بحكم جديد، ولا يأخذون منها عبرة أو موعظة..
وكيف نُصلي وكيف نحج؟
الصلاة والحج من شعائر الله وسنته التي جاءت بالتواتر، وصدقها القرءان، فالصلاة مثلًا من الشعائر التي انتشرت منذ قديم الزمن في أماكن مُختلفة وبعيدة على الأرض، وحافظ الناس عليها كما هي دون أن تربطهم أجهزة اتصال حديثة، والصلاة لا تُخالف آيات القرءان.
القول بأن الله تعالى أشرك النبيين في تحديد وقت أجلهم يُخالف سنة الله في أنه لا يُشرك في حكمه أحدًا، ويتنافى مع العدل الإلهي الذي حدد الأجل لكل البشر. والقول بأن ما حدث من تخيير لسيدنا موسى بين الموت والحياة كان صوريًا، فما الحكمة من ورائه والله هو أحكم الحاكمين، كل شيء خلقه بقدر ياتي حقيقيًا وليس من أجل الشكل والصورة، إنما هذا يتنافي مع علم الله وقدره وحكمته وقضائه. الله تعالى ليس كالبشر، بل قوله الحق، وأمره لا يُرد.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۢ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ (6) ﴾ سورة الجاثية.



