كل لفظ في القرءان جاء في موضعه، ولا يُمكن استبداله بلفظ آخر..
ومن تلك الألفاظ: (أكملت) في قول الحق: ﴿ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ ﴾.
ولكي نتبين بلاغة القول نطرح السؤال التالي:
ما هي البلاغة في مجئ لفظ: (أكملت) وليس (أتممت) في الآية الكريمة؟
حين نتدبر الآيات، ويتبين لنا تفصيلها لبعضها نجد أنَّ: (أكملت) هي المُناسبة لمُراد الله.
لماذا؟
(أكملت) تأتي للزمن غير المتصل، وللأشياء التي تنفصل عن بعضها حين تكون مجموعة فيما بينها.
وهنا في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ ﴾تعني أنَّ الدين يتكون من مجموعة من الأحكام والشرائع والحدود، والمواعظ، والعبر، وغيرها، جاءت على فترات زمنية غير متصلة..
لذلك فهي تحتاج للإكمال، وليس للإتمام.
ومن الأمثلة التي نتبين منها دلالة لفظ: (أكملت) قول الله ـ تعالى ـ :
﴿ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ ﴾ من الآية (185) سورة البقرة؛ (لتُكملوا) وليس: (لتُتموا) ذلك لأن العدة انفصلت عن شهر رمضان بيوم العيد؛ لم تأتِ بعه مباشرة.
وحين أراد الحق صيام اليوم من الفجر إلى الليل مُتصلًا (دون أن ينقطع) جاء: ﴿ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ ﴾ من الآية (187) سورة البقرة.
ذلك من بلاغة الألفاظ في القرءان التي لا نتبينها إلَّا بتدبر آياته، والتي منها نعرف تفصيل الآيات لبعضها.
ومن بلاغة القرءان حين تحدثت الآية عن النعمة جاء: (أتممت) وليس: (أكملت).
﴿ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي ﴾ لأن كل لفظ في كتاب الله هو المُراد بدقة بالغة؛ وهذا يدل في ذات الوقت على وُجود فوارق لفظية.
النعمة، مثل: نعمة السمع، أو نعمة النور؛ لا يُمكن لأحد أن يُجزئها، أو يحصوها؛ لأنها تتكون من مقدار وليس عددًا.
نعمة البصر مثلًا؛ لا يُمكن أن نعدها، أو نحصوها..
نعمة النور لا يُمكن أن نُجزئها لنحصوها؛ لذلك قال الله ـ تعالى ـ عن النعمة: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ (18) ﴾ سورة النحل.
القرءان الكريم تتوافق آياته وتترابط بشكل عجيب؛ فلا يُمكن أن نجد أدنى اختلاف بين ألفاظه؛ أو دلالاتها.
ونفقه من قول الله ـ تعالى ـ :
﴿ حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (3) ﴾ سورة المائدة.
أنَّ الدين بما فيه من أحكام وشرائع وحدود، ومواعظ، وعبر.. أكتمل فلا يُمكن لأحد أن يُغير فيه ولو حُكمًا واحدًا؛ لأن دين الله مُناسب لكل زمن ومكان.

