لماذا لم يأتِ لفظ: (الفهم) بدلًا من الفقه؟
وما هي بلاغة حرف التاء في لفظ: (ليتفقهوا)؟
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ (122) ﴾ سورة التوبة.
لقد فرق القرءان بين دلالة الفقه ودلالة الفهم؛ ومع هذا يُخلط الكثير بينهما خاصة حين يتم استخدام لفظ: (يفهم) بدلًا من يفقه.
ومن آيات القرءان لفظ: يفقه يكون مع القول وهو يدل على استيعاب المُراد من القول كما هو؛ أي من يفقه القول لا يزيد عليه ولا ينتقص منه؛ ينقل المُراد منه كما هو.
والآيات الدالة على ذلك كثيرة، منها:
﴿ أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا (78) ﴾ سورة النساء.
الله يبين لهم مُراده ولا يطلب منهم أن يتفكرون في حل مشكلة ما.
أي يستوعبون كلام الله كما هو؛ فيفقهون المُراد منه وهو: أنَّ الحسنة والسيئة كل واحدة منهما تتم بمشيئة الله وإرادته؛ ولأنهم لا يستوعبون ذلك ولا يعلمون هذا؛ قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ﴾.
(وقد رددنا الشُبهة التي قِيلت حول تلك الآية الكريمة من قبل).
ومن دلالة لفظ: (يفقه) ما نتبينه في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ (98) ﴾ سورة الأنعام.
الله يفصل الآيات، ولأن الآيات قول يحمل كلام الله جاء معها لفظ: (يفقهون) وليس: (يفهمون).
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا (93) ﴾ سورة الكهف.
﴿ لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ﴾ وليس: ( لا يكادون يفهمون قولًا) فالقرءان مُحكم في ألفاظه.
ذلك لأن القول يحتاج للفقه وليس للفهم.
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا (45) وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا (46) ﴾ سورة الإسراء.
لم يأتِ: (أن يفهموه) ولكن جاء: ﴿ أَن يَفۡقَهُوهُ ﴾ لأن القرءان كلام الله نفقه القول الذي ينقل كلام الله إلينا؛ فلا نزيد عليه ولا ننتقص منه شيئًا.
ويتأكد لنا أنَّ الفقه يأتي مع القول في سورة طه: ﴿ وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي (27) يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي (28) ﴾ قال: ﴿ يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ﴾ ولم يقُل: (يفهموا قولي).
قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ (91) ﴾ سورة هود.
وماذا عن الفهم؟
جاء مرة واحدة في القرءان في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ (78) فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ (79) ﴾ سورة الأنبياء.
هنا سيدنا سليمان كان يتفكر في حل مشكلة ما؛ حتى فهم حلها بإذن الله.
الفهم هو التفكير في حل مشكلة؛ ثم إيجاد ذلك الحل، مثل: من يفكر في علاج مرض ما، أو من يتفكر في حل مسألة رياضية، أو من يتفكر في ابتكار دواء، وهكذا..
ولماذا جاء حرف التاء في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ؟
حرف: (التاء) هنا دل على التفكر، والدراسة، وإعمال العقل لاسنباط أحكام الله كما هي من القرءان الكريم، دون أن يزيدوا عليها، أو ينتقصوا منها.
إذًا الفقه يأتي مع القول.
لماذا؟
لأننا نُريد أن نتبين القول كما هو.
أما الفهم فيأتي حين نُريد ابتكار حلًا لمشكلة ما، مثل: ابتكار حلًا لمسألة رياضية؛ فلا نقول: فقه حل المسألة الرياضية، ولكن نقول: فهم حل المسألة الرياضية.



