إعجاز بياني يُبين لنا أنَّ كل لفظ في القرءان جاء في موضعه بدقة بالغة.
قال الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ﴾ سورة فاطر .
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) ﴾ سورة الفرقان.
إذا كنت من الذين يرفضون التطابق بين الألفاظ في القرءان ستتساءل لِمَ جاء مرة لفظ: (فاطر) ومرة أُخرى جاء لفظ: (خلق)؟
من خلال تدبر الآيات التي جاء فيها لفظ: (خلق) يتبين لنا أنَّ المراد به هو: عملية الخلق سواء كان خلقه تم من لا شئ (عدم) أو من مادة أولية خلقها الله من قبل، ثم يتشكل منها شيء آخر بقدرة الله تعالى، مثل: النطفة التي يُخلق منها الإنسان، فهي مادة أولية خلقها الله من قبل ثم يتم من تلك النطفة (المادة) خلق الجنين في رحم الأم.
كذلك يُطلق لفظ الخلق على عملية تخليق الشيء سواء كان ذلك الشيء يُخلق لأول مرة أو يُعاد خلقه من جديد، أي مرة أخر، ومن أمثلة إعادة خلق الشيء: حين يبعث اللهُ الناس يوم القيامة، نقول: خلقهم من جديد.
وماذا عن لفظ: (فطر)؟
المراد به خلق الشيء لأول مرة بإرادة الله وقدرته، وقد يظل ذلك الشيء باقيًا على خلقته الأولى، مثل: السموات والأرض، إلى أن يشاء الله. ولكن ماذا لو أزال الله سبحانه وتعالى ذلك الشيء ثم أعاد خلقه، هل نقول: فطره أم نقول: خلقه من جديد؟
لنتبين الإجابة بدقة علينا أن نتدبر الآيات الكريمة:
﴿ وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) ﴾ سورة الإسراء، في هذه الحالة لا نقل فطره الله ولكن نقول: أعاد خلقه من جديد، إنَّها عملية خلق جديدة، وليست خلقًا لأول مرة، ومن أمثلة ذلك: الله حين يبعث الناس يوم القيامة، نقول: خلقهم من جديد، وليس فطرهم، لأنَّ فطر تصف خلق ذلك الإنسان أول مرة وليست إعادة خلقه من جديد.
ومن أمثلة فطر، ما نتبينه من قول الله تعالى: ﴿ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) ﴾ سورة الإسراء، الآية بيّنة، فحين تحدثت عن عملية الخلق لأول مرة جاء وصف الخلق بلفظ: (فطركم) وجاء لفظ: (أول مرة) ليُؤكد لنا أنَّ فطر تعني خلق الشيء لأول مرة، فدل ذلك على أنَّ فطر هي: الخلق الأول الذي لم يُسبق من قبل، وهذا يكون في الحياة الدنيا حين يُخلق الإنسان لأول مرة في رحم الأم.
أمَّا الخلق من جديد فيكون يوم البعث، أي يوم القيامة لأنه ليس خلقًا لأول مرة، إنما خلق الإنسان أول مرة كانت وهو يتم خلقه في رحم الأم.
هم في جدال يكذبون بالبعث وخلقهم من جديد فيكون الرد عليهم بقول الله تعالى: ﴿ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾.
ثم يسألونه عن موعد البعث الذي يعني: الخلق من جديد وليس الخلق لأول مرة، فيقول لهم: ﴿ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ أي عسى أن يكون يوم القيامة الذي تُبعثون فيه من جديد: قريبًا.
إنَّها أية فاصلة في تبيُّن الفرق بين دلالتي: (فطر، خلق) في القرءان الكريم.



