من دقة التشريع وتكامله في كتاب الله؛ ما نتبينه من قوله ـ تعالى ـ في سورة النور: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ
تَذَكَّرُونَ (1) ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (2) ﴾.
نتبين من الآيتين أنَّ عقوبة جلد الزانية والزاني هي فرض من الله وليس للبشر أي حكم فيها.
﴿ سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ﴾.
إنها عقوبة لا تتغير بعقوبة أخرى، لا بتغير الناس، ولا الدهر.
ولكن ربما يختلف الناس في كيفية تطبيقها؟!
لا يُمكن للناس أن يختلفوا في كيفية تطبيقها؛ لأنهم لن يجدوا صعوبة في استنباط كيفية تطبيق عقوبة الزنى كما أراد الله ـ عز وجل ـ.
قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ
وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴾ يدل على تكامل التشريع الذي يُبين للناس الحدود بدقة بالغة؛ بحيث لا تجعلهم يختلفون حول حد الزنى، وكيفية تطبيقه.
وكيف نتبين حد الزنى بشكل لا يختلف الناس فيه؟
عند الحديث عن الحدود؛ لا بد أن يكون التشريع بَيِّن ومُتكامل بحيث لا يختلف الناس فيه؛ وبالتالي: لا يظلمون من يُطبق عليهم الحد..
لماذا شرع الله حد الزنى؟
لئلا تنتشر الفواحش بين الناس والتي تُسبب خلط الأنساب، وموت الخلق الحسن، ودمار المجتمعات (إذا غاب الخلق الحسن بين الناس انهار المجتمع لا محالة).
وعودة إلى بلاغة التشريع:
لقد أشار قول الحق: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴾ إلى ثلاثة أوامر تُبين التشريع بشكل مُتكامل ليتم تطبيقه كما أراده الله ـ تعالى ـ.
وتلك الأمور الثلاثة هي:
عدد الجلدات ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ ﴾ وهي أصل العقوبة.
وحتمًا سيتساءل الناس عن مدى قوة المائة جلدة؟
لذلك جاء قول الحق: ﴿ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ليُبين لهم أنَّ الجلد لا رأفة فيه ليكون رادعًا لهما ولغيرهما (لو كان الجلد به رأفة (أي هين) لن يتحقق الهدف منه).
وهذا يدل على شدة فعل الزنى، وأضراره على المجتمع.
ولكن ماذا عن قوة الجلد؛ هل لها حدود؟ فربما تكون شديدة بشكل قد يُؤدي إلى الموت، أو إصابة الإنسان بضرر في أحد أعضائه؟
الآية لم تترك ذلك دون أن تُبينه للناس؛ فهو جلد يُؤدي للعذاب وليس للموت: قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴾ قول الله: ﴿ عَذَابَهُمَا ﴾ بين أنه جلد للعذاب، وليس للموت..
العذاب ليس هو الموت، ولا ينتج عنه أي ضرر لأحد أعضاء الجسم. فلا يكون الجلد في أماكن تُؤدي لإصابة الإنسان بضرر في أحد أعضاء جسمه.
فتبينا بذلك ألَّا يكون الجلد على الوجه مثلًا لئلا يُصيب العين على سبيل المثال.
وهذا من بلاغة التشريع في القرءان التي لا تجعل الناس في اختلاف حول حد الزنى..
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (82) ﴾ سورة النساء.


