sky, clouds, forms, nature, air, atmosphere, cumulus, sky, sky, sky, sky, sky, clouds, air

الكلام، والقول بين مفهوم وآخر..

من الآراء التي قيلت عن الكلام والقول: إنَّ القول هو الجملة، مثل: جاء زيد.

أما الكلام فهو الألفاظ المُفردة، مثل: (زيد، بيت، ذهب)!

وهنا لن أتوقف لبيان لفظ: (كلمة) التي لها دلالة ليست كما قيلت،

ولكن سأتوقف لنتبين من القرءان أنَّ الكلام ليس هو الألفاظ المفردة: زيد، أو جامعة، وليس هو: بيت، أو ذهب..

وكذلك ليس هو النطق؛ لأن الظالمون يتكلمون يوم القيامة، ولكن لا ينطقون.

وسنتبين بإذن الله أنَّ القول ليس هو الجملة (ليس هو مجموعة الألفاظ المُفردة حين تجتمع مع بعضها لتُعطي جملة) ولكن هو كل وسيلة قولية مثل: النطق، الإشارة، الرموز، الوحي؛ كل ذلك قول ينقل الكلام من داخل النفس.

لقد كان لعدم التفريق بين: الكلام والقول من خلال دلالة كل لفظ في القرءان الكريم؛ سببًا للتشكيك في آيات القرءان الكريم.

كيف ذلك؟

قال المبطلون: كيف الله يقول: ﴿ هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ (35) ﴾ سورة المرسلات، ويقول في سورة سبأ: ﴿ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ﴾ هل الظالمون يوم القيامة يتكلمون؛ أم لا يتكلمون؟!

قالوا: آيات تقول لا يتكلمون يوم القيامة، وآيات أخرى تُثبت لهم: الكلام؟!

ونقول لهم:

 ذلك لأنكم لم تفرقوا بين الكلام والقول حسب آيات القرءان الكريم؛ فظننتم أنَّ الكلام والقول معناهما واحد، وأنَّ من لا ينطق يوم القيامة فهو لا يتكلم!

وظننتم أنَّ الكلام يُعبرعن الألفاظ المفردة، مثل: (زيد)!

وأنَّ القول هو الجملة؛ أي مجموعة الكلمات مع بعضها، مثل: ذهب زيد!

ولكن هذه الآراء ليست مبنية على تدبر آيات القرءان؛ بل هي آراء اجتهادية تحتمل الصواب والخطأ.

ما هو الكلام كما نتبينه من القرءان؟

في البداية الكلام ليس هو القول، وليس هو الألفاظ المفردة، ولا هو النطق (الصوت والحرف) ذلك ما نتبينه من آيات القرءان الكريم.

الكلام هو ما ينشأ في النفس سواء تم التعبير عنه؛ أم لا.

والكلام الذي نشأ في النفس يتم نقله إلى الآخرين عن طريق القول سواء كان القول منطوقًا، أو كان غير منطوق كالوحي، والإشارة، والرموز.. فكل ذلك من وسائل القول، وليس الكلام.

إذًا الكلام ليس هو النطق، ولا هو القول.

ومن الأدلة على ذلك:

قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ (6) ﴾ سورة التوبة.

ويتأكد لنا ذلك في قول الحق: ﴿ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ (75) سورة البقرة.

هم يسمعون كلام الله هنا عن طريق القول المنطوق.

ثم يأتي معنى القول ببلاغة في قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ (40) ﴾ سورة الحاقة؛ فلا يُمكن أن يكون القول هو الذي ينشأ في النفس.

وتكرر في سورة : ﴿  إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ (19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ (20) مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ (21) ﴾ سورة التكوير.

لا يُمكن أن نقول: إنَّ القرءان هو كلام الرسول؛ لأن القرءان لم ينشأ في نفس الرسول؛ بل هو ناقل له عن طريق القول: ﴿  إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ﴾.

إذًا الكلام شئ والقول شئ آخر.

  لماذا هو قول رسول؟

لأنه نقل كلام الله بوسيلة القول عن طريق النطق (الرسول قرأ القرءان بصوته) وكذلك نقله مكتوبًا؛ لذلك قال الحق:

﴿  إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ (40) وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (43) وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ (47) ﴾ سورة الحاقة.

لاحظوا بلاغة القرءان في التفريق بين الألفاظ ومنها الكلام، والقول.

 فالله ـ تعالى ـ لم يقل: (لو تكلم علينا بعض الكلام) لأن الكلام في تلك الحالة كان سيعني أنه كلام بشر، وسيعلمون أنه كلام بشر، وليس كلام الله؛ أي سيقول لهم بنفسه: إنه كلامه هو البشري.

ولكن مُراد الآية ليس كذلك..

﴿ وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ﴾ هو أنه لو قال لهم كلامًا بقوله هو سواء كان كلامه، أو كلام بشر آخرين؛ ثم نسبه لله؛ أي قال لهم: هذا كلام الله.

ماذا كان سيحدث؟

 كما قال الحق: ﴿ وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ (47) ﴾.

الله برأ رسوله من أنه يقول كلامًا لم يوحِه الله إليه:

﴿ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (43) وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ (47) وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ (50) وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ (51) فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ (52) ﴾ سورة الحاقة.

ذلك ليطمئنوا أنَّ الرسول ينقل إليهم كلام الله حقًا، ولا يفتري على الله الكذب.

إذًا القرءان كلام الله وقول رسول كريم؛ هذا ما نتبينه من الآيات الكريمة.

وهذا يجعلنا نقول: الظالمون لا يتم منعهم من الكلام يوم القيامة، ولكن يُحرمون النطق (القول بصوت وحرف).

القرءان يبين لنا أنَّ الظالمين سيتكلمون يوم القيامة مثل ما جاء في سورة الملك:

تسألهم الملائكة: ﴿ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ﴾ من الآية (8) ويردون عليهم: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ (9) ﴾.

إذًا هم يتكلمون، ولكن لا يكون قولهم الذي ينقل كلامهم من بينه النطق.

يُمكن أن يكون كلامهم منقولًا بالوحي، أو بأي وسيلة قولية أخرى يخقلها الله ـ تعالى ـ لينقلوا بها ما في أنفسهم من كلام يعبر عن أنفسهم.

إذًا قول الله ـ تعالى ـ : يعني أنَّ الكلام ليس هو النطق بل النطق هو قول، مثل: الوحي، والإشارة.

الكلام هو ما ينشأ في النفس، وليس الألفاظ المفردة، ولا النطق؛ أما القول فهو ما ينقل الكلام للآخرين أو ما تحدثه به نفسه.

لذلك القرءان هو كلام الله: ﴿ وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ (6) ﴾ وقول رسول كريم: ﴿  إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ (40) ﴾.

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا (81) ﴾ سورة النساء.

إنَّ تدبر القرءان هو سبيلنا لتبين دلالات ألفاظه وبلاغتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shopping Cart