Beautiful view of Istanbul's mosques at sunset with vibrant sky and silhouettes.

لقد فهموا عصمة الأنبياء بشكل يخالف آيات القرءان.

مفهوم العصمة من القرءان.

يقول البعض: (إنَّ الله عصم الأنبياء من فعل الكبائر، وقالوا: فلو أراد النبي فعل كبيرة من الكبائر فإن الله يمنعه من فعلها).

إنَّ هذا القول أراه ينتقص من قدر الأنبياء عليهم السلام ويطعن في خلقهم واستقامتهم، ويطعن في اصطفاء الله تعالى لهم، وهو قول يخالف آيات القرءان، وتأباه الفطرة، ولا يقبله العقل.

لماذا تأباه الفطرة ولا يقبله العقل؟

لو كان الأنبياء (حسب قولهم) لا يفعلون الكبائر لأن الله تعالى هو من عصمهم، وإن أرادوا فعلها الله يمنعهم، فكيف يفسرون حال الصالحين الذين لا يفعلون الكبائر بإرادتهم وهم ليسوا أنبياءً معصومين من فعلها؟

ما هي الخطورة في قولهم: (ولو أرادوا فعلها)؟ هذا القول يعني أنَّ الأنبياء سعوا إلى فعل الكبائر! وهذا محال في حق خير البشر الذين اصطفاهم الله ليحملوا كلمة الحق، وليهتدي ويقتدي بهديهم وخلقهم الناس.

بل من الناس يبرر فعل الكبائر لأن الله لم يعصمهم كما عصم الأنبياء! مالكم كيف تحكمون؟ إنَّ الله لا يظلم أحدًا، وكل إنسان هو من يختار عمله بمحض إرادته بعد أن يشاء الله.

هل فكرت لماذا الصالحون لا يفعلون الكبائر؟

لأنهم يتقون ربهم، ولا يحبون الفساد، فمن الناس من يكره قتل النفس بغير الحق، ومنهم من يكره أكل المال بالباطل، ويتحرى رزقه بالحلال، ولا يظلم الناس، ويكره شهادة الزور.. أنفسهم طيبة تأبى أن تفعل ذلك، فهم يتقون الله في كل أعمالهم، يخافون عذاب يوم عظيم، ويرجون رضوان الله.

فهل يعقل أن يكون الصالحون بتلك الدرجة من الإيمان والتقوى، ثم يأتي من يقول للناس: الله عصم الأنبياء من فعل الكبائر، بل ويمنعهم من فعلها لو أرادوا أن يفعلوها؟ بل النفس الطيبة بفطرتها تأبى أن تفعل الكبائر بل ولا تفكر في فعلها، لا تفكر في أن تزني أو تأكل المال بالباطل أو تظلم.. فكيف بالأنبياء الذين هم أكثر الناس إيمانًا وتقوى؟

النبيون هم أعلى ما في الصالحين، لا يفعلون الكبائر بمحض إرادتهم، وليس لأن الله يمنعهم من فعلها.

إذًا ما هو مفهوم عصمة الأنبياء كما نتبينه من القرءان؟

كان في شأن تبليغ الرسالة، وهو أنَّ النبي لا يُخطئ في تبليغها، ولا يستطيع أحد من الناس أن يضره وهو يبلغها، ونتبين ذلك من قول الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (67) ﴾ سورة المائدة، لاحظوا بلاغة الآية: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ ﴾ فالآية تتحدث عن الرسالة، وليست الكبائر، لأن النبي لا يفعل الكبائر بمحض إرادته، إنه أكثر الناس إيمانًا بالله وأشدهم تقوى لربه، فمن أين لهم بقولهم: العصمة تعني عصمة النبي من فعل الكبائر؟

﴿ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ ﴾ أي لا يستطيع أحد من الناس أن يضرك وأنت تبلغ الرسالة، هذا هو مفهوم العصمة من القرءان الكريم.

والعصمة تكون في شيئين:

ـ حين يبلغ الرسالة فلا يُخطئ في تبليغها (هذه عصمة من الله) لأنه رسول الله يُبلغ عن ربه.

ـ عصمة من الناس فلا يستطيع أحد منهم أن يضر النبي عليه الصلاة والسلام أو يمنعه من تبليغ الرسالة للناس.

إذًا ما سبق يضعنا أمام المفهوم الحق من العصمة: إنها عصمة لا تجعل النبي يقع في أي خطأ وهو يُبلغ الرسالة عن ربه، ولا يستطيع أحد من الناس أن يضره وهو يبلغها، وبالتالي القول بأن الله عصم الأنبياء من فعل الكبائر والذنوب، لا يتوافق مع الآيات، وترفضه الفطرة، ولا يقبله العقل.

هذا هو مفهوم العصمة كما نتبينه من القرءان الكريم، وليس له علاقة بفعل الكبائر، فالأنبياء ليسوا أقل من الصالحين الذين لم يعصمه الله من فعل الكبائر ومع هذا لا يفعلونها، لأنهم يتقون ربهم.

وماذا عن سيدنا يوسف حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، ألم يهم بها ومنعه الله؟ هكذا يقول البعض: إنه كاد أن يقع في الزنى، لولا أن رأى صورة أبيه يعقوب وهو ينهاه!

يوسف نبي الله حاشاه أن يفعل ذلك وهو من عباد الله المُخلَصين والأخيار، وكيف يفعل وقد اصطفاه الله تعالى للنبوة والرسالة؟ بل يوسف عليه السلام لم يسعَ إلى المعصية، ولم يفكر فيها، وحين أتته استعصم لأنه يتقي الله ويخاف غضبه، فهو صاحب نفس طيبة، وفطرة تأبى أن تُخالف أمر الله تعالى أو أن تفعل شيئًا ليس من حقهًا.

﴿ وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ (23) وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ (24) ﴾ سورة يوسف.

الآية تبرئه تمامًا، وتصفه بأنه من عباد الله المُخلَصين؛ فكيف يظن البعض أنَّ سيدنا يوسف (نبي الله) يُمكن أن يقع في فعل كبيرة الزنى وهو من الأخيار؟

سيدنا يوسف ليس أقل من الإنسان الصالح الذي لم يصطفِه الله تعالى للنبوة ومع هذا لم يقع ذلك الإنسان في معصية الزنى ولم يسعَ إليها، بل ولم يُفكر في فعلها، نعم الصالحون لا يفكرون في الزنى، فما بالكم فالأنبياء وهم أكثر من في الصالحين تقوى لربهم؟

وماذا عن البرهان الذي رءاه؟

البرهان الذي رءاه غالبًا هو علمه بأن الزنى كان فاحشة وساء سبيلًا، علم من عند الله أُوحي إليه قبل الحدث، أو تعلمه من نبي الله سيدنا يعقوب، والدليل قول الله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ﴾ لقد كان البرهان الذي رءاه سيدنا يوسف سببًا في أنه لم يقعَ في كبيرة الزنى، وليس مثل ما قيل: إنه رأى صورة أبيه يعقوب وهو ينهاه عن الوقوع في الزنى.

إنَّ قصة يوسف تعلمنا أنَّ الإنسان الذي يُخلص لربه يُعينه الله فينجيه ويلطف به.

ما الدليل على أنه لم يهم بها حقًا؟

إنه قول الله تعالى: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦ﴾ لولا تعني أنه لم يهم بها، لأنه رءا برهان ربه وهو أنَّ الزنى كان فاحشة وساء سبيلًا، فمجيء لفظ: (لولا) في الآية الكريمة يعني أنه يستحيل أن يهم بها.

وماذا عن ذنوب الأنبياء؟

هنا يحدث الخلط، إذ ظن بعض الناس أنها معصية يستغفر النبي منها! ونقول لهم: ليس كل ذنب معصية، فمن الذنوب ما يفعله الإنسان بالخطأ دون قصد أو تعمد، وقد يفعله لأنه لا يعلم أنه يُخالف سنة الله.

 ويتم احتسابه ذنبًا، لماذا ذنبًا؟ لأنه خالف سنة الله ولكن يكون من الذنوب التي يغفرها الله تعالى لأن الإنسان لم يتعمد فعله.

والأمثلة على ذلك كثيرة في القرءان منها:

﴿ وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ (14) ﴾ سورة الشعراء.

موسى عليه السلام لم يقتل الرجل مُتعمدًا ولكن قتله بالخطأ، فلماذا هو من الذنوب وقد قتله بالخطأ؟ لأنه خالف بفعله (ولو دون تعمد) سنة الله وأمره في ألَّا تُقتل نفس إلَّا بالحق.

وهل هذا يحتاج للمغفرة وهو ذنب غير مُتعمد؟

نعم،والدليل قول الله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (16) ﴾ سورة القصص. وكذلك من الأدلة على أنه ذنب قول سيدنا موسى في وصف ما حدث: ﴿ وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ (14) ﴾.

إذًا هو ذنب ولكن غير مُتعمد، غفره الله تعالى له: ﴿ فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ لا اختلاف في القرءان، قَتَلَهُ سيدنا موسى وهو غير متعمد قَتلِه، فحسب ذنب لأنه يخالف سنة الله في ألَّا تُقتل نفس إلَّا بالحق، ولكن كما قلنا: من الذنوب التي يغفرها الله برحمته.

قال الله تعالى: ﴿ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ (21) إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ (22) إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ (24) فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَ‍َٔابٖ (25) ﴾ سورة ص.

لماذا ذنب؟

لأنه خالف سنة الله حين لم يستمع للطرف الآخر، ولكن دون تعمد منه، وحين أدرك ذلك وتذكر، استغفر ربه: ﴿ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ ﴾ كان ذلك فتنة ليعلمه ربه ويعلمنا ألَّا نحكم للمتحدث قبل أن نستمع للطرف الآخر.

إذًا سيدنا داوود لم يرتكب معصية لأنه لم يتعمد معصية الله، لكن يُحسب ذلك من الذنوب لأنه خالف سنة الله (ولو كان دون تعمد) في عدم التسرع في الحكم قبل الاستماع للطرف الآخر.

تلك من الذنوب التي يستغفر منها الأنبياء ربهم وليس كما يظن البعض أنهم يستغفرون من معصية.

وفي الختام:

يجب توقير الأنبياء الذين اصطفاهم الله لأنهم خير البشر وأكثرهم تقوى لله، وهم مثل غيرهم من الصالحين لا يفعلون الكبائر ولا يسعون إلى فعلها ولا يُفكرون فيها كل ذلك نعم بتوفيق من الله وكذلك بمحض إرادتهم، لأنهم يتقون الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه.

إذا كان الصالحون ممن لم يتم اصطفاؤهم للنبوة لا يفعلون الكبائر بمحض إرادتهم، فمن باب أولى الأنبياء (وهم خير البشر) لا يفعلون الكبائر بمحض إرادتهم بإذن الله.

وعن الذنوب التي يستغفر منها النبيون: 

هي من الذنب التي لا يتعمد الإنسان فعلها أو لا يعلم أنها مخالفة لسنة الله، وتلك الذنوب ليست بمعصية، يغفرها الله تعالى برحمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عربة التسوق