وهنا أستند إلى آيات القرءان، لنتبين ما يجوز وصف الله تعالى به لنبتعد عما هو ظني لا يتوافق مع آيات القرءان، ودقة ألفاظها..
لم يأتِ في القرءان الكريم أنَّ الله يفرح وهذا أول شيء يجعلنا لا نصف الله بشيء متغير، لأن الفرح مشاعر تصف الإنسان وليس الخالق، ولكن نقول: الله يرضى بتوبة عبده.
إذًا يمكننا القول:
- ـ لا يجوز وفقًا لدقة دلالة لفظ: (يفرح) أن نصف الله تعالى بأنه يفرح فالفرح يُعبر عن مشاعر المخلوق، وليس عن الخالق.
- ـ لفظ: (يفرح) ضده: (يحزن) أي الفرح ضده الحزن وهذا تأكيد آخر يُبين لنا أنه لا يجوز وصف الله بأنه يفرحٍ.
ويمكن القول أنَّ لدينا قاعدة عامة وهي: حين نصف الخالق بوصف يجب أن نتبين ثلاثة أشياء لنحكم على صحة الوصف من عدم صحته:
- دلالة الوصف.
- والوصف الذي يأتِ ضده (أي عكسه).
- الحكم الكامل لوصف الله تعالى يجب أن يكون متوافقًا مع ما جاء في القرءان الكريم.
ومن أمثلة هذا:
أن نصف الله كما وصف نفسه، مثل: (الرحمن، الرحيم، اللطيف، المتكبر، الوهاب، القوي، الغفور، الرزاق، القادر..).
وهنا نسأل أنفسنا، هل جاء في القرءان: أنَّ الله يفرح بعودة عبده التائب؟
لا، إذًا يتبقى أمامنا:
- دلالة الوصف.
- والوصف الذي يأتِ ضده (أي عكسه).
كيف نتبين صواب تلك القاعدتين من عدم صوابهما؟
سبيلنا في ذلك هو دقة الألفاظ في القرءان الكريم.. فلنتدبر لفظ: (يفرح) كما جاء في القرءان لنستنبط دلالته، وننظر في اللفظ الذي يأتِ ضده:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (170) ﴾ سورة آل عمران.
الفرح مشاعر في النفس تظهر عند حدوث شئ تحبه النفس، مثل من يفرح لعطاءٍ ماديٍ: ﴿ لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ (188) ﴾ سورة آل عمران.
﴿ وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ(35) فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ (36) ﴾ سورة النمل، فرحهم بالهدية.
أو فرحة بالنصر، قال الله تعالى: ﴿ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (2) فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ (3) فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (4) بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (5) ﴾ سورة الروم.
أو يفرح برحمة مسَّته: ﴿ فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ (48) ﴾ سورة الشورى.
أو فرحتهم بخروجهم من شيء كاد يُهلكهم: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ (22) فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (23) ﴾ سورة يونس.
وكذلك تنشأ مشاعر الفرح عندما تترك النفس شيئًا لا تُريده: ﴿ فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ (81) ﴾ سورة التوبة.
فكل ما سبق يدل على أنَّ الرحمة مشاعر تُؤثر في النفس التي تفرح بالعطاء، سواء كان ماديًا أو معنويًا مثل فرحة النفس بالإشادة والإعجاب..
وما الذي يُقابل الفرح؟
الحزن، ضد يفرح: يحزن، ويكون بسبب شيء لم تتقبله النفس.
قال الله تعالى: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ (84) ﴾ سورة يوسف، ولكن كان صابرًا ولديه أمل في لقائه.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92) ﴾ سورة التوبة، حزنوا لأنهم لم يكونوا معهم في الجهاد في سبيل الله.
أما السعادة فضدها الشقاء: شقيٌ ضدها سعيدُ؛ كما نتبين ذلك من الآية الكريمة: ﴿ يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ (105) ﴾ سورة هود.
وفي سورة هود:
يتبين لنا أنَّ الشقاء يدل على المعاناة الدائمة في نار جهنم: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ (106) خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ (107) ﴾.
أما السعادة فهي تدل على رغد الحياة الدائم الذي لا ينقطع في الجنة: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ﴾.
ماذا نتبين مما سبق؟
أنه لم يأتِ في القرءان أنَّ الله يفرح ولم يصف نفسه بذلك، ولأن الحزن ضد الفرح فلا يجوز أن نصف الله بأنه يفرح، لأن الله لا يحزنٍ.
إذًا ما التعبير المناسب الذي وصف الله به نفسه حين يعود الإنسان إلى الحق، أو حين يعمل الإنسان ما يخالف أمر الله؟
كما وصف الله تعالى نفسه: (يرضى، رضي) وضدها: (يغضب، غضب) تلك الألفاظ بالغة الدقة والكمال، فلا نتجاوزها إلى ألفاظ تدل على مشاعر إنسانية فقط.
قال الله تعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ (106) ﴾ سورة النحل.
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ (13) ﴾ سورة الممتحنة.
لم يأتِ: (حزن عليهم) لأن هذا لا يجوز في وصف الله.
ونتبين من بلاغة القرءان أن غضب ضدها (رضي):
﴿ قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (119) ﴾ سورة المائدة.
﴿ يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا (109) ﴾ سورة طه.
إذًا الله يرضى (وليس يفرح) بعمل العبد: ﴿ إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (7) ﴾ سورة الزمر.
هذا ما وصف به سبحانه وتعالى نفسه بما يتوافق مع بلاغة الألفاظ في القرءان الكريم.
وفي الخاتمة:
نتعلم من هذا الموضوع ألا نصف الله بما لم يصف به نفسه، أو بما لا يتوافق مع بلاغة الألفاظ في القرءان الكريم، ويجب علينا أن نعود للآيات وبلاغتها لنتبين منها الحق والوصف الذي يليق بجلال الله.



